رسالة إلى الفجر الأبدي..

أيها العزيز…
يا من تفيَّأَت أرواحُنا ظلالَ فضله، واستظلَّت قلوبُنا برحمةٍ أودعها الله لنا فيك…
إنّا لنحمدُ الله في آناء الليل وأطراف النهار أن اصطفاك لنا نعمةً ومنحةً وكرامة؛ حيًّا كنتَ بين ظهرانينا، أو مرتقيًا إلى مقامات السعداء.
فما كنتَ في حياتك إلا بشارةَ أمل، ولا في غيابك إلا وعدَ إشراق لا يخبو.
نعلمُ ويشهدُ الله على ما في الصدور أن دماءك الزكيّة الطاهرة لم تكن إلا قُربانًا قدسيًّا على أعتابِ فَرَجٍ ما بلغتْه الأوهام، ولا أحاطتْ به خواتيمُ الظنون.
دمٌ سالَ ليكتبَ للغدِ عنوانًا، وللأمةِ طريقًا، وللقلوبِ يقينًا.
وعلى امتدادِ مسافاتِ الانتظار والترقُّب، حيث يطولُ الصبرُ وتثقلُ الخطى، خلصنا إلى معادلاتٍ لا تُخطئها البصائر.
رأينا الخيامَ تقفُ شهورًا في وجهِ أعتى الجيوش وأغلظِ الأسلحة، كأنها جبالٌ أوتاد.
ورأينا دمشقَ تسقطُ في لحظةٍ واحدة، كأنما خانها ظلُّها، وانفضَّ عنها ما كانت تظنه حصونًا.
رأينا رجالًا تشبَّثوا بسلاحهم حتى الرمقِ الأخير، فما سلَّموا رايةً ولا أحنَوا جبينًا.
ورأينا مدينةً تخسرُ ترساناتٍ شيَّدتها عقودًا، فتتهاوى دون مقاومةٍ تُذكر، كأن السنينَ لم تُنفق فيها من عرقٍ ودم.
ورأينا أنفسَنا… ورأيناك فينا وبيننا، حيًّا أكثر من ذي قبل؛ تسري فينا كلمةً، وتقوم فينا موقفًا، وتنهضُ فينا عزيمةً لا تنكسر.
فلعلّنا ما فقدناك يومًا، ولن نفقدك أبدًا. كما أشرق جدُّك الحسين بن علي في سوادِ كربلاء، تُشرقُ شمسُك في دياجير قلوبنا، لا يحدُّك بعد اليوم مكانٌ ولا يقيِّدك زمان.
لقد خرجتَ من حدودِ الجسد إلى سَعةِ الرمز، ومن ضيقِ اللحظة إلى أبديةِ المعنى.
وسيتكشَّف الصبحُ عن غدٍ صنعتَه بدمك الطاهر، غدٍ تكتبه الأرواحُ التي تعلَّمت منك أن الحقَّ يُنتصر له ولو طال الطريق، وأن الدمَ إذا صَدَقَ، أنبتَ في الأرضِ حريةً لا تذبل.
عهدًا…
سنصبرُ كما علَّمتنا،
وننتظرُ كما وعدتنا،
ونبقى على الأثرِ حتى يطلع الفجرُ الذي بشَّرتَ به.

النص يعبر عن رأي الكاتب وليس بالضرورة عن رأي الموقع

التعليقات مغلقة.