مصطفى عواضة – خاص الناشر |
في الحادي والثلاثين من آب، لا نمرّ على الذكرى كما يمرّ العابرون على الأطلال، بل ندخلها كما يدخل التائه إلى حضرة نبيّ، نستظلّ منها وهج النور، وننحني بخشوع أمام ظلّ رجلٍ ما زالت خطاه تهمس في طرقات الوطن، وما زال صوته، وإن غاب، ينفخ في روح هذا الشعب نداء القيام من تحت الركام.
هو الإمام موسى الصدر، الذي لم يكن ابن عصره فحسب، بل نبيّ رؤيا، أتى من رحم الفكرة الإلهيّة ليقول إن الإنسان هو قبلة الحق، وإن الوطن لا يكون وطنًا ما لم يكن مأوى للكرامة، وسماءً للعدالة، وترابًا لا يلفظ أبناءه عند أول عاصفة.
لم يجئ الإمام في زمن الرخاء، بل في زمن التيه. وكان كمن بعثه الله ليوقظ القلوب النائمة على وسائد الطوائف، ويُنزل الوحيَ في ساحات الناس، لا ليحكمهم، بل ليخدمهم، لا ليتوَّج سيدًا، بل ليمسح العرق عن جبين المزارع، والدمع عن خدّ الأرملة، والرماد عن وجه الجنوب المنسيّ في خرائط الجغرافيا والذاكرة.
كان إذا تكلم، تفتحت في الكلام ينابيع الروح، وإذا مشى، مرّت الكرامة من خلفه. وإذا صمت، أنصتت الأمّة لما يُقال في صمته. لم يكن صوته حنجرةً تخطب، بل روحًا تنبض، وكانت قضيّته الإنسان، حيثما كان، مهما اختلف لونه أو مذهبه أو دينه. رأى الله في وجوه المظلومين، وسجد له في ميادين الحرمان، وجعل من خدمة الناس أقدس العبادات.
وحين نادى بالمحرومين، لم يحرّك الشارع فقط، بل حرك ضمائر كانت غافية، وأيقظ نخوةً كانت خامدة، وكتب على وجه التاريخ جملةً لا تنمحي: “السلاح زينة الرجال”.
لم يهب الجنوب بندقية فقط، بل وهبه قلبًا يمشي، ودمًا يسري، وذاكرةً تحفظه في سجدة، وفي كتاب، وفي مدرسة. ولم يقف عند حدود طائفته، بل خرج منها ليكون للكل، فصار مسيحيّو لبنان يستشهدون بخطبه، كما كان المسلمون يستشهدون بجراحه. رأى الوحدة الوطنية قدرًا لا اختيارًا، والمقاومة فريضةً لا رأيًا، ولبنان بلدًا لا يُقاس بالطوائف، بل يُوزن بالقيم.
وفي غيابه، لم نرَ فراغًا، بل حضورًا آخر، أعمق من الجسد، وأبقى من الصوت. الإمام لم يغب. الإمام استحال دعاءً في فجر الجنوب، وهتافًا في مسيرات المظلومين، ودمعةً حارّة على خدّ أمٍ فقدت ابنها، فقامت وقالت: “لو كان الإمام بيننا، لما صمت العالم”.
في الحادي والثلاثين من آب، نعيد تسبيح اسمه لا كذكرى، بل كرسالة لا تنطفئ. نذكره كما يُذكر الأنبياء: لا لحزنٍ على الغياب، بل لشكرٍ على ما ترك. هو منارة، كلّما اشتدت العتمة، لجأنا إليها. هو الوعد الذي لا يكذب، والإيمان الذي لا يساوم، والبوصلة التي لا تنحرف.
سلامٌ عليك سيدي الإمام…
يوم جئت من أعماق النور،
ويوم لبّيت نداء السماء إلى حيث لا نعلم،
ويوم تعود، في صرخة وطن، في دمعة شهيد، في فجرٍ جديد لا بدّ آت.
النص يعبر عن رأي الكاتب وليس بالضرورة عن رأي الموقع
التعليقات مغلقة.