متى نعود أمة “اقرأ”؟

احصل على تحديثات في الوقت الفعلي مباشرة على جهازك ، اشترك الآن.

“اقرأ”؛ معها نزل الوحيُ، وبها نطق الشّرعُ، بها أكرمنا الخالقُ، وعلّم الإنسان ما لم يكن يعلمُ.

في عصرٍ تعدّدت فيه وسائل اكتساب العلم والمعرفة، وتنوّعت مصادرها وأشكالها، بقيت القراءة هي الوسيلة الأساسية والمعلّم الأول الذي فتح أبواب الرقيّ ورسم معالم الحضارة والتطوّر، لذا كان لا بدّ من معرفة كيف هو حال القراءة في أمّة اقرأ، ولما يزحف الناس بوتيرة سريعة بعيدًا عنها؟ كيف بدّلت وسائل التواصل الحديثة مفهومها لدينا؟ وما هي سبل المعالجة المتاحة قبل أن تندثر ثقافة القراءة من حياتنا؟

أسبابٌ كثيرة والنتيجة واحدة
شهد العصر الحديث تراجعًا غير مسبوق في معدلات القراءة في مجتمعاتنا العربية، ففي استطلاع للرأي أجرته “ياهو” للأبحاث، تبين أن ربع سكان العالم العربي نادرًا ما يقرؤون كتابًا، ويحتل الكتاب المرتبة الـ 153 من بين الاهتمامات العربية في غوغل، وتتصدّر كتب التنجيم المرتبة الثانية في العالم العربي من حيث الكتب الأكثر قراءة!

أما فيما يتعلق بأسباب هذه الظاهرة، فهي متعددة ومتشعّبة المصادر، بعضها يتعلّق بالنظام التعليمي الذي يحتاج الى الكثير من التعديلات المنهجية، فضلًا عن غياب ثقافة القراءة بشكل عام لدى طلاب المدارس، وضعف التوجيه والتوعية المطلوبَين في هذا المجال.

ومن ناحية أخرى، كان لوسائل التواصل الحديثة الدور الأبرز في إشغال الناس، وجذب انتباههم وتركيزهم، حتى بات الفرد يمضي وقتًا وفيرًا جدًا من يومه منشغلًا على منصات وسائل التواصل، انشغالًا ذي جدوى أحيانًا، ومن دون جدوى أحيانًا كثيرة.

بالإضافة الى ما سبق، لا بد من أن نذكر أيضًا انتشار الشبكة العنكبوتية التي أحاطت بجوانب حياتنا كافة، وجعلت الوصول الى المعلومة -صحيحةً كانت أم خاطئة – يتم بشكل سريع جدًا، الأمر الذي جعل المواظبة على القراءة والمطالعة بالنسبة للكثيرين مضيعةً للوقت في ظل هذا التطور المعلوماتي الهائل. وقد شجع على هذا الأمر، ارتفاع أسعار الكتب الورقية مقارنةً بالكتب الالكترونية التي من الممكن الحصول عليها بصورة مجانية وبسرعة كبيرة.

حلول متاحة لإنقاذ ثقافة القراءة
بالرغم من كثرة الأسباب المشجعة على هجران الكتاب، إلا أن الحلول اللازمة للحد من انتشار هذه الظاهرة ما زالت متاحة، وبالإمكان أن يكون لها تأثير إيجابي جدًا في هذا المجال، لعلّ أبرزها تطوير المناهج التربوية في المدارس، وزرع عادة القراءة اليومية في حياة الأطفال، فضلًا عن إقامة معارض الكتب بشكل دوري، والتشجيع على قراءة الكتب ذات المحتوى الغني بعيدًا عن كتب الحشو التجاري، والتي لا فائدة تُذكر لها سوى تحقيق الربح المادي.

من جهة أخرى، لا بد من أن تتعدد مصادر الحلول -كما الأسباب- و أن تكون هناك حلول مقدّمة من قبل الدولة والجهات الرسمية المعنيّة، منها، على سبيل المثال لا الحصر، إقامة المؤتمرات والندوات والمسابقات المشجّعة على القراءة، والتنسيق مع وسائل الإعلام المرئي والمسموع للتشجيع على القراءة بدلًا من التركيز على المواضيع الاجتماعية السطحية، وتكريم الأدباء والكتّاب المبدعين في حياتهم قبل رحيلهم، وإغناء الساحة الأدبية بالنقد البناء الهادف، في سبيل الحفاظ على تاريخ أمة تناقلت الدين والعلم عبر الكتب والقراءة.

لم تكن القراءة يومًا هواية كما يصنفها البعض، بل هي حاجةٌ من حاجات الروح، وغذاءٌ يمدّها بالحياة والأمل. نحن نقرأ لنفهم ونتعلم ونسمو ، لنسافر عبر الزمن، لنكتشف أنفسنا، ونتعلم من تجارب من سبقونا. وإن كان العالم الحديث قد أغرق حياتنا بكل وسائل التواصل والترفيه والتسلية، إلا أنّ خواء الروح لا يملؤه سوى أبجدية الكتب، ويبقى أولًا وآخرًا، خير جليسٍ في الأنام كتابُ.

النص يعبر عن رأي الكاتب وليس بالضرورة عن رأي الموقع
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.