لبنان بين الثوابت والتطبيع

في امتدادٍ للثوابت التي برزت في خطاب الأمين العام لحزب الله الشيخ نعيم قاسم، حيث يُعاد التأكيد على رفض التطبيع كخيارٍ غير قابل للمساومة، ينتقل النقاش في لبنان من التحليل السياسي إلى مساحةٍ تمسّ وجدان الناس وتقترب من موقع القرار.

هنا، لا يعود الكلام مجرّد قراءة في المواقف، بل يتحوّل إلى مخاطبةٍ مباشرة لرأس الدولة، إلى فخامة رئيس الجمهورية ميشال عون، في لحظةٍ تختلط فيها الضغوط الإقليمية بالحسابات الداخلية، وتُطرح فيها خيارات تتجاوز طابعها السياسي إلى أبعادٍ أكثر حساسية.

لم يكن لبنان يومًا بعيدًا عن الصراع مع العدو الإسرائيلي، بل شكّل جزءًا من معادلةٍ معقّدة دفع فيها أثمانًا باهظة على مستوى الأمن والاستقرار. وهذه التجربة لا يمكن التعامل معها كمرحلةٍ منتهية، أو كعبءٍ يمكن تجاوزه تحت عنوان التسويات.

من هنا، لا يبدو الحديث عن سلامٍ في هذا التوقيت تفصيلًا عابرًا، بل تحوّلًا في موقع لبنان وخياراته. فالاعتداء الصهيوني كان ولا يزال حاضرًا بما يحمله من حروبٍ واعتداءات، وصولًا إلى شهداء سقطوا في مؤسسات الدولة وهم يؤدّون واجبهم.

إلى جانب ذلك، يبرز البعد القانوني بوضوح. فلبنان، وفق تشريعاته النافذة، يعتبر إسرائيل دولةً عدوة، ويجرّم أي شكل من أشكال التعامل معها. وهذا الموقف لا يندرج ضمن اجتهادٍ سياسي، بل ضمن إطارٍ سيادي ثابت.

أما في قراءة الواقع، فإن التجارب لا تقدّم نموذجًا مطمئنًا لسلامٍ قائم على الندية، بل تعكس استمرارًا لسياسات فرض الأمر الواقع، ما يجعل أي رهان على التزاماتٍ ثابتة موضع تساؤل.

القلق المطروح اليوم لا يرتبط برفض فكرة السلام بحدّ ذاتها، بل بالخوف من مسارٍ قد يبدأ بخطوةٍ محدودة، ثم يتوسّع تدريجيًا على حساب عناصر القوة التي حمت لبنان لعقود.

وأمام هذا المشهد، تبدو المسؤولية مضاعفة في مقاربة هذا الملف، بعيدًا عن الاستعجال أو الانجرار وراء ضغوط ظرفية. فالقضية لا تتعلّق بلحظةٍ سياسية، بل بمسار وطنٍ كامل.

في النهاية، يبقى السؤال قائمًا: كيف يمكن للبنان أن يواجه التحديات، دون أن يفرّط بما شكّل أساس صموده؟

النص يعبر عن رأي الكاتب وليس بالضرورة عن رأي الموقع

التعليقات مغلقة.