مآلات الأطماع الأميركية في جرينلاند في إعادة تشكيل النظام الدولي الجديد
بعد تصعيد خطاب ترامب ضد جزيرة جرينلاند أو غرينلاند كما يسميها البعض، أثار ذلك اهتمامي للبحث والاطلاع لمعرفة هذه الجزيرة الهامة التي أصبحت شغل رئيس أميركا الشاغل، وتبين أنَّ غرينلاند أكبر جزيرة في العالم، وتبلغ مساحتها تقريبًا مساحة المكسيك أو المملكة العربية السعودية، ونصف مساحة الاتحاد الأوروبي. وفي هذه المساحة التي تزيد عن مليوني كيلومتر مربع لا يعيش سوى نحو 60 ألف نسمة فقط، وهي تقسيم إداري ذاتي الحكم داخل مملكة الدنمارك، وتقع بين المحيط المتجمد الشمالي والمحيط الأطلسي.
ولكن لقراءة أسباب هذا التصعيد الترامبي الخطير قراءة صحيحة، يجب معرفة البداية الأساسية لتأسيس النظام الدولي القائم، حيث استقر النظام الدولي المعاصر، منذ منتصف القرن العشرين، على مجموعة من القواعد الناظمة التي هدفت إلى منع تكرار الحروب الشاملة، وفي مقدمتها مبدأ احترام السيادة الإقليمية، وعدم جواز ضم الأراضي بالقوة. غير أن التطورات الأخيرة في الخطاب السياسي الأميركي، ولا سيما ما يتعلق بإمكانية فرض السيطرة على جرينلاند، تثير تساؤلات جوهرية حول مستقبل هذا النظام وقدرته على الاستمرار.
لكن المشكلة لا تكمن في التهديد الأميركي اليوم، بل المشكلة الأخطر تكمن في السيطرة الأميركية على الوضع الأمني لأوروبا التي جرينلاند جزء منها، حيث بدأت المشكلة الأوروبية بعد الحرب العالمية الثانية، حيث وجدت الدول الأوروبية نفسها عاجزة عن تأمين دفاعها الذاتي في مواجهة الاتحاد السوفياتي، ما دفعها إلى القبول بترتيبات أمنية تقودها الولايات المتحدة ضمن إطار حلف شمال الأطلسي، هذا الاعتماد، وإن وفّر مظلة ردع فعّالة خلال الحرب الباردة، أدى تدريجيًا إلى تآكل القدرات العسكرية المستقلة للدول الأوروبية، وتحويل الأمن القاري الأوربي إلى وظيفة خارجية بيد الأميركي!
وعلى الرغم من إدراك النخب السياسية الأوروبية لمخاطر التبعية الأمنية لأميركا مبكرًا، إلا إن محاولات بناء قوة عسكرية موحدة بقيت محدودة وافتقرت إلى الإرادة السياسية والاستثمار الاستراتيجي طويل الأمد، وتحوّلت تلك المبادرات الدفاعية المشتركة إلى تشكيلات صغيرة ذات طابع رمزي، غير قادرة على خوض نزاعات عالية الكثافة أو ممارسة ردع فعلي.
إلى جانب الضعف العسكري والأمني الأوروبي ورهنه بيد الأميركي، وقعت الدول الأوروبية في مشكلة أخرى لا تقل خطورة عن الأولى، حيث عززت أوروبا هشاشتها الاستراتيجية عبر ربط جزء أساسي من أمنها في الطاقة بيد روسيا، وهذا قيّد خياراتها السياسية في لحظات الأزمات، هذا التداخل بين الاقتصاد والأمن كشف محدودية الرهان على الاعتماد المتبادل بوصفه بديلًا عن توازن القوة الصلب.
وهذا ما بدا واضحًا من خلال الأزمة الأوكرانية، حيث ظهر الالتزام الأميركي بالحد الأدنى من الدفاع عن الأمن الأوروبي خارج ما يمس المصالح الحيوية المباشرة لواشنطن فقط. في المقابل، برهنت روسيا على استعدادها لاستخدام القوة العسكرية لتعديل الوقائع الجيوسياسية، مستفيدة من التردد الغربي والانقسام داخل التحالفات الأوروبية الأميركية القائمة، بالإضافة إلى اعتماد موسكو على مقاربة تقوم على استنزاف الخصوم عبر تفكيك تحالفاتهم بدل مواجهتهم المباشرة، ويُعد أي تصدع في وحدة الحلف الأطلسي فرصة استراتيجية لإعادة رسم مناطق النفوذ في أوروبا الشرقية.
تمثل جرينلاند حالة خاصة في البنية الأطلسية، إذ إن أي محاولة لفرض السيطرة عليها بالقوة من قبل دولة عضو في الحلف ستؤدي إلى تناقض قانوني وسياسي غير مسبوق، يقوّض الأساس الذي قام عليه الناتو، لأن الميثاق الذي يقوم عليه هذا التحالف لم يُصمَّم لمعالجة صراع داخلي بين أعضائه، بل لردع تهديدات خارجية، وهنا تتجاوز مسألة جرينلاند كونها نزاعًا إقليميًا محدودًا، لتغدو اختبارًا حاسمًا لصلابة النظام الدولي القائم، فنجاح أي قوة كبرى في فرض إرادتها خارج القيود القانونية التي أسست لعقود من الاستقرار النسبي ينذر بدخول مرحلة جديدة تتسم بالتحالفات التي تغلب منطق القوة المجردة، وهي مرحلة شديدة الخطورة وستكون انعكاساتها عالمية، لا أوروبية فحسب.
وهذا الاختلالات في موازين القوى إن حصلت ستمتد إلى مناطق أخرى ترتبط بالأمن الأميركي ارتباطًا مباشرًا، وفي مقدمتها الشرق الأوسط، إذ إن أي إعادة تموضع للقوة الأميركية قد تؤدي إلى تشديد أدوات السيطرة غير المباشرة، وتعزيز الاعتماد على الحلفاء الإقليميين لفرض الاستقرار وفق الرؤية الأميركية، كما أن كسر قاعدة احترام سيادة الحلفاء يخلق سابقة يمكن توظيفها في سياقات جغرافية مختلفة، قد تضع دول الحلفاء في دائرة الاستهداف وهذا سيقوض الثقة بين الحلفاء، وسيجعل تلك الدول تبحث عن حلفاء جدد يمكن الثقة بهم والاعتماد عليهم، وستكون الأطراف المناوئة لأميركا هي الأطراف الأوفر حظًا.
تنويه مهم:
هذه قراءة متواضعة في اختلالات القوة والتحالفات الدولية المحتملة وفق تحليلات وآراء مراكز أبحاث ودراسات وخبراء في ذات الشأن، وليست وفق قراءة وتحليل شخصي.
النص يعبر عن رأي الكاتب وليس بالضرورة عن رأي الموقع

التعليقات مغلقة.