التاريخ لا يجامل: السيّد كان على حق
ليس التاريخ محكمة أخلاقية، ولا هيئة تعاطف، ولا دفتر مذكّرات للمنتصرين فقط. التاريخ، في جوهره القاسي، سجلّ للوقائع. لا يُكافئ النيّات، ولا يعاقب النوايا، بل يراقب ما حدث، ثم يحكم.
لهذا، كثيرون ظُلموا في حياتهم وهم على حق. عاشوا تحت الاتهام، وماتوا قبل أن يُرفع الظلم عن أسمائهم. احتاجوا إلى أجيال كي تُعاد قراءتهم خارج الانفعال، وخارج الدعاية، وخارج الخوف. لكن في حالات نادرة، لا ينتظر التاريخ طويلًا.
في حالة السيّد حسن نصر الله، لم يكن الإنصاف مؤجّلًا، ولا جاء بعد قرون من الصمت. جاء مبكرًا، ثقيلًا، ومربكًا لمن بنى مواقفه على التشكيك لا على الوقائع.
لم يكن السيّد مشروع إجماع، ولا ساعيًا إلى رضا أحد. كان صاحب خيار واضح، وموقف صلب، ورؤية اصطدمت مبكرًا بسقف المصالح، وبذهنية التسويات السهلة. لذلك، كان طبيعيًا أن يُحاصر بالاتهام: مرّة بالمغامرة، ومرّة بالوهم، ومرّة بتعريض البلد للخطر.
لكن التاريخ لا يُصغي للخطاب، بل يراقب النتائج. ومع مرور السنوات، تبيّن أنّ ما قيل إنّه تهوّر كان حسابًا، وما صُوّر كخطاب تعبوي كان قراءة مبكرة لمسار المنطقة، وما اعتُبر خطرًا صار عنصر توازن فرض نفسه على الجميع، حلفاء وخصومًا.
الإنصاف هنا لم يكن عاطفيًا ولا إعلاميًا. كان إنصافًا باردًا، صادرًا عن الوقائع نفسها، عن معادلات تغيّرت، وحدود رُسمت، وخيارات صمدت حين سقطت رهانات كثيرة حولها.
والأقسى في هذا الإنصاف، أنّه لم يُحرج الخصوم وحدهم، بل واجه المتردّدين أيضًا. واجهنا نحن الذين شككنا، أو خفنا من الذهاب بعيدًا في الفهم، أو آثرنا المسافة الآمنة بدل طرح الأسئلة الصعبة. إنصاف السيّد لم يكن تبرئة له فقط، بل مساءلة لنا: كيف نحاكم الرجال؟ وبأي ميزان؟ وبأي استعجال؟
ليس المطلوب تقديس الأشخاص، ولا تحويل القادة إلى رموز معصومة. لكن من الظلم الفادح الاستمرار في إنكار ما أثبته الزمن، فقط لأنّ الاعتراف يكلّفنا مراجعة مواقفنا القديمة.
التاريخ لا يجامل. لا ينحاز بالعاطفة، ولا يخضع للضجيج. وحين يقول كلمته مبكرًا، فهذا لأنّ الوقائع كانت أوضح من أن تُخفى، وأقسى من أن تُؤجَّل.
في هذه الزاوية تحديدًا، يمكن القول بهدوء وصرامة: السيّد لم يكن على هامش اللحظة، بل في قلبها. ولم يكن يسبق الناس بالشعارات، بل بالقراءة. لهذا أنصفه التاريخ، ليس لأنّه أراد، بل لأنّه لم يجد خيارًا آخر.
قرأ التحوّلات الإقليمية قبل أن تُعلن عن نفسها، وفهم طبيعة الصراع قبل أن تتجرأ الأطراف الأخرى على تسميته باسمه. وحين كان كثيرون يراهنون على الحماية الخارجية، أو على التسويات السهلة، أو على حياد وهمي، كان الرجل يبني على فرضية واحدة: أنّ هذا الكيان لا يُردَع بالكلام، وأنّ المنطقة لا تُدار بالنوايا الحسنة.
وهنا تحديدًا كان جوهر الخلاف. لم يكن الخلاف على الأسلوب، بل على الفهم. لم يكن على الخطاب، بل على تشخيص العدو، وعلى إدراك معنى القوة وحدودها.
التاريخ، حين أنصف السيّد، لم يفعل ذلك لأنّه أحبّه، بل لأنّ الأحداث أثبتت أنّ مقاربته كانت الأكثر تماسُكًا مع الواقع. من راهنوا على الخارج خسروا، ومن انتظروا التسويات خابوا، ومن استهانوا بالتهديد وجدوا أنفسهم أمامه بلا حماية. وحده الخيار الذي بُني على ميزان القوة، وعلى الوعي بطبيعة الصراع، بقي قائمًا.
والمفارقة أنّ هذا الإنصاف لم يُترجم إلى راحة. فالسيّد لم يتحوّل إلى شخصية مريحة، ولا إلى خطاب قابل للاستهلاك. ظلّ إشكاليًا، لأنّ الحقيقة حين تكون قاسية، تظلّ مزعجة حتى بعد أن يثبت صدقها. الإنصاف لا يعني القبول، بل الاعتراف. اعتراف بأنّ هذا الرجل لم يُدِر ظهره للزمن، بل واجهه، وبأنّه لم يُسوّق الوهم، بل تكلّم بلغة الكلفة، وبأنّه، في لحظات مفصلية، تحمّل عبء القرار حين اختار كثيرون التفرّج أو الهروب.
لذلك، فإنّ إنصاف التاريخ له لا يُختصر بجملة، ولا يُغلق ببيان. هو مسار مستمر، يتعمّق كلّما انكشف زيف رواية، وكلّما سقط رهان، وكلّما تبيّن أنّ ما قيل يومًا إنّه خطر، كان في الحقيقة خطّ الدفاع الأخير.
وفي النهاية، يبقى القول الأهمّ: التاريخ لا يجامل أحدًا. ومن يُنصفه مبكرًا، يكون قد اجتاز امتحان الزمن قبل أن يُطلب منه ذلك. وهنا، بالوقائع لا بالعواطف، يمكن الجزم: السيّد كان على حق.
النص يعبر عن رأي الكاتب وليس بالضرورة عن رأي الموقع

التعليقات مغلقة.