من عباءة الصدر إلى بندقية حزب الله: كيف تحوّل الوعي إلى مقاومة

احصل على تحديثات في الوقت الفعلي مباشرة على جهازك ، اشترك الآن.

د. أكرم شمص – خاص الناشر |

المقدمة
لم يكن حضور الإمام السيد موسى الصدر في لبنان حدثًا عابرًا، بل تحوّلًا تاريخيًا نقل الطائفة الشيعية من الهامش إلى قلب المعادلة الوطنية، ومن الحرمان إلى المشاركة الفاعلة في بناء الدولة. ومن عباءته الفكرية انطلقت شرارة المقاومة التي تجسّدت أولًا في حركة “أمل”، و لاحقًا في حزب الله. وقد صاغ الصدر رؤية واضحة للسلاح، اعتبره فيها وسيلة لا غاية، تُشرّع فقط للدفاع عن النفس والوطن، ورفض أن يتحول إلى أداة عدوان أو نفوذ داخلي، محذرًا من أن التسلح الداخلي أو الارتهان للخارج لا يزيدان إلا في تمزيق الوطن. ومن هنا أسس حركة المحرومين لتكون إطارًا إنسانيًا–وطنيًا لمواجهة الظلم والحرمان، مؤكّدًا أن الشيعة لم يكونوا البادئين بالقتال، بل اضطروا إلى حمل السلاح ردًا على الاعتداءات، مع إصراره الدائم على أن البديل الحقيقي هو بناء دولة عادلة تكفل الحقوق والمساواة.

عباءة الصدر: الوعي قبل البندقية
مع غياب الدولة وعجزها عن حماية الجنوب، وتعاظم الاعتداءات الإسرائيلية، تحوّل السلاح الذي نظّر له الإمام إلى ضرورة وجودية. من هنا أسّس “أفواج المقاومة اللبنانية – أمل” كإطار منظم للدفاع عن القرى ومنع التهجير، فاتحًا الطريق أمام ولادة جيل جديد من المقاومين وجدوا في الثورة الإسلامية في إيران سندًا وعونًا، وتحوّل بعضهم في 1982 إلى ما عُرف لاحقًا بحزب الله. وبذلك، يمكن القول إن الصدر وضع الأساس الفلسفي والسياسي لفكرة المقاومة اللبنانية الحديثة: سلاح لا يُستخدم إلا حيث يكون الوطن مهدّدًا، سلاح يجمع بين الكرامة والعدالة، ويقف في وجه الاحتلال لا في وجه الداخل.

لم يتعامل الإمام الصدر مع السلاح كخيار سياسي عابر، بل كضرورة وجودية تمليها أخطار الاحتلال. قال عبارته الشهيرة: “قاتلوا إسرائيل بأسنانكم وأظافركم مهما كان سلاحكم وضيعًا”، في إشارة واضحة إلى أن الدفاع عن الأرض لا يُقاس بمدى تطور العتاد، بل بصدق الإرادة الوطنية.

كان الإمام يرى أن العدو الإسرائيلي “شر مطلق”، وأن مواجهة هذا الشر لا تحتمل الانتظار أو التردد. لذا دعا مبكرًا إلى تدريب الشباب وتسليحهم، لكنه ربط هذا السلاح دائمًا بشرط أخلاقي صارم: أن يبقى موجهًا ضد الاحتلال وحده، لا ضد الداخل اللبناني.

من الوعي إلى المقاومة
العلاقة بين حركة أمل وحزب الله تستمد متانتها من فكر الإمام موسى الصدر، الذي أسس لمعادلة واضحة: السلاح مسؤولية وطنية لا يُشرَّع إلا في مواجهة الاحتلال، لا أداة للفتنة الداخلية. من هذا المنطلق، يكمّل التنظيمان أدوارهما داخل الطائفة والوطن: حزب الله يقود مشروع المقاومة في الميدان ضد إسرائيل، فيما تثبّت حركة أمل الحضور السياسي والمؤسساتي داخل الدولة، بما يحفظ التوازن الوطني ويمنع التفتيت. هذا التكامل لم يعد مجرد تحالف بل تحوّل إلى شراكة استراتيجية وصفها الرئيس نبيه بري بأنها “روح واحدة وجسد واحد”، أثبتت قدرتها على مواجهة الضغوط والتحديات، ورسّخت نفسها كشبكة أمان تحمي لبنان ووحدته.

هذا التلاقي الفكري والسياسي تجلّى في الانسجام العضوي بين القيادة والقاعدة، وفي المواقف الموحدة من البرلمان إلى الحكومة والبلديات والمناسبات الشعبية. التنسيق شبه اليومي بين قيادتي أمل وحزب الله جعل العلاقة حصينة أمام الشائعات والاستهدافات، وأكد أنها ليست مجرد تفاهم سياسي، بل امتداد عملي لمدرسة الإمام الصدر التي ربطت الكرامة بالسلاح المشروع والوطنية بالعدالة الاجتماعية. وهكذا، بات الثنائي أمل–حزب الله تجسيدًا حيًّا لفلسفة الصدر: مقاومة ضد الاحتلال، سلم داخلي دائم، وسلاح يبقى زينة حين يحفظ السيادة ويصون وحدة الوطن. وهذا النهج التأسيسي امتد إلى الحاضر عبر خطاب الأمين العام لحزب الله الشيخ نعيم قاسم الذي أكد أن السلاح هوية وضمانة للسيادة، وموقف الرئيس نبيه بري الذي شدد على اعتباره ورقة قوة حتى التزام إسرائيل بوقف النار والانسحاب. وهكذا تبلورت مقاربة موحّدة تجعل السلاح جزءًا من هوية لبنان المقاومة، وركنًا ثابتًا من أركان حمايته وسيادته.

حزب الله: المؤسسة بعد الكاريزما
ينطلق حزب الله من الإرث الفكري والروحي الذي صاغه الإمام موسى الصدر عبر المجلس الإسلامي الشيعي الأعلى وحركة المحرومين، حيث أرسى قاعدة أن السلاح مسؤولية وطنية في مواجهة إسرائيل لا أداة للفتنة الداخلية. وهذا التأسيس، إلى جانب تجربة الاجتياح الإسرائيلي عام 1982 والمدرسة الدينية في النجف وقم، أنتج بيئة عقائدية تحوّلت سريعًا إلى تنظيم عسكري مقاوم. وبدأ الحزب بإمكانات بسيطة قبل أن يتطور إلى قوة صاروخية متقدمة بلغت ذروتها في حرب 2006، ثم صقلت خبراتها في ساحات سوريا والعراق، فانتقل من مقاومة محلية إلى قوة إقليمية محورية ضمن محور الممانعة.

بالتوازي، ترجم الحزب فكر الصدر سياسيًا منذ دخوله البرلمان عام 1992، وتوسّع حضوره في الحكومات بعد 2005 ليصبح شريكًا مقرِّرًا في الحياة الوطنية، ومحافظًا على استقلالية سلاحه كضمانة ردع. وبهذا المزج بين المقاومة والعمل السياسي، جسّد حزب الله عمليًا رؤية الإمام الصدر: السلاح زينة الرجال حين يُرفع في وجه الاحتلال، والسياسة وسيلة لحماية المقاومة وتعزيز شرعيتها. وإذا كان الصدر قد مثّل الشرارة التي حوّلت الشيعة من “الموالين” المهمّشين إلى طائفة تطالب بحقوقها وتدافع عن كرامتها، فإن حزب الله مثّل المؤسسة التي ورثت هذا الإرث وطوّرته إلى مشروع استراتيجي ممتد في العسكر والسياسة والمجتمع.

من معركة الوعي إلى معركة التحرير
في يوم التحرير وفي حرب تموز 2006 كما في معركة فجر الجرود 2017، وحرب أولي البأس 2024 تجلت بوضوح معادلة الإمام موسى الصدر: تكامل الجيش والمقاومة والشعب كركيزة لحماية الوطن. فالمقاومة لم تكن بديلًا عن الدولة، بل سندًا لها حين تُترك عاجزة في مواجهة الاحتلال والإرهاب. وهذا النهج تبناه حزب الله، فحوّل السلاح إلى ضمانة وطنية لا أداة انقلاب داخلي، وجعله امتدادًا لمقولة الإمام “السلاح زينة الرجال”، أي زينة تُشرّف حين تُرفع بوجه العدو لا بوجه الأخ. ومن هنا اكتسب سلاح المقاومة شرعيته الأخلاقية والوطنية: عباءة الصدر التي أطلقت الوعي، وبندقية حزب الله التي جسّدته في ساحات التحرير، لتؤكد أن الكرامة الوطنية لا تُصان إلا بسلاح يحمي الأرض ويذود عن الشعب.

خاتمة
اليوم، وبعد أكثر من أربعة عقود على تغييب الإمام موسى الصدر، يثبت التاريخ أن ما تركه لم يكن مجرد كلمات، بل مشروع نهضوي غيّر وجه الطائفة الشيعية وفتح أمامها أبواب الفعل الوطني. ومن عباءته خرج وعي بالكرامة والعدالة، ومن فكره ووصاياه وُلدت المقاومة كسلاح مشروع في وجه الاحتلال، لا كأداة فتنة داخلية. وهذا الإرث الفكري تحوّل إلى حركة “أمل” ثم إلى حزب الله الذي حمل البندقية كما حملتها حركة امل امتدادًا لخط الإمام، ليصبح لاعبًا وازنًا عسكريًا وسياسيًا وإقليميًا. وما بين عباءة الصدر وبندقية المقاومة خط واحد لم ينكسر: خط الكرامة الوطنية، الذي جعله الإمام زينة الرجال، ووصية باقية تحرس لبنان وسيادته.

النص يعبر عن رأي الكاتب وليس بالضرورة عن رأي الموقع

التعليقات مغلقة.

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على ذلك ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول قراءة المزيد