الشهيد الحي يبكي إمامه دمعًا ودمًا

احصل على تحديثات في الوقت الفعلي مباشرة على جهازك ، اشترك الآن.


بتاريخ 24-02-1999 أصدرت المقاومة الإسلامية بياناً تحدّث عن مهاجمة إحدى مجموعاتها دورية صهيونية ـــــ لحدية في محيط مركبا، دارت خلالها مواجهات عنيفة وسقطت فيها إصابات عدة بين قتيل وجريح. ولفت البيان إلى فقدان الاتصال مع أحد المقاومين، هادي السيد حسن (تيمناً بالشهيد هادي حسن نصر الله). وقد بثّ تلفزيون العدو مشاهد لعملية مطاردة من الجو قامت بها طائرات في منطقة مركبا للمجاهد، وتحدث العدو عن مقتله بعد إظهار مشاهد عن انفجار صاروخ موجّه استهدف مكان اختبائه. وبعد مرور 48 ساعة، عاد المقاوم سالماً إلى الأراضي المحرّرة بعدما استطاع تحقيق عملية تمويه خدعت وسائل المراقبة المباشرة والتقنية التابعة للاحتلال.
▪️▪️▪️▪️
إطلاق نار غزير قذائف مدفعية وأزيز الطائرات الحربية الصهيونية يصك الأسماع .
” يمكن تكون في عملية بمركبا ” بلهجة قروية يقول أبو محمود الذي صبغه تراب عاملة بلونه فصار صنو التراب .
” أني طالعة شوف وين هالضرب ” تصرخ أم محمود وتتجه ناحية الدرج الموصل إلى سطح منزل العائلة المتواضع في بلدة حولا الحدودية علها ترى شيئاً .
أبو محمود يحذرها من العملاء ” إسى بيقولوا إنك عم تتجسسي للمقاومة ” تصل هذه العبارات خافتة فأم محمود أصبحت على باب سطح المنزل ودلفت إليه لتطفئ دافع الإنسان الفطري تجاه معرفة المجهول. يرتفع صوت الطائرات الحربية المعادية محدثاً هديراً منكراً، ثم تتردد أصداء انفجار كبير يترامى صوته إلى معظم القرى والبلدات المحيطة. تسرع أم محمود وتبدأ بالالتفات يمنة ويسرة بحثاً عن آثار تدل على هذا الصوت المروع، ثم تشخص نظراتها إلى غمامة سوداء وغبار كثيف علا في نقطة ما من خراج بلدة مركبا الحدودية الجنوبية. تضع يديها على خديها وتقول بحسرة ” الله يساعد اماتهم يلي ضربوهم اليهود يكسر إيديهم” ثم تبدأ بالدعاء لمجهول ما أو مجهولين قد يكونون تعرضوا لهذه الغارة ولم تكن تعلم أنها تدعو لابنها الأصغر الذي اتخذ أسماً جهادياً هو (هادي السيد حسن ) الذي صحا بعد دقائق من الغارة على الموقع الذي اختاره للاختباء جنوب خراج بلدة مركبا بعدما نجح في الإفلات من الأعداد الكبيرة من الجنود الصهاينة وعملائهم الذين لاحقوه منذ الفجر برصاصهم وقذائفهم ومدرعاتهم وبطائرة استطلاع ظلت تلاحقه كظله حتى مخبئه .
يتذكر “هادي” ما حدث به نفسه قبل دقائق :
” إنها الشهادة فاستعد لعناق حبيبك ابي عبد الله الحسين ع يا أبا عبد الله يا حبيبي يا حسين (ع) ” فيما كانت طائرة حربية صهيونية تغير عليه بصاروخ جو- أرض أخطأه وسقط على بعد أمتار وانفجر محولاً المحيط إلى قاع صفصف انهالت على إثره كمية هائلة من التراب على ” هادي” ودفنته ولم يعد يحس بشيء فقد غاب عن الوعي .


لقد صحا الآن من غيبوبته فوجد نفسه مصاباً في عينه ويده ورجله فكان على اليد والرجل الأخرى رفع التراب الذي دفن تحته، ولاحقاً كان على العين الأخرى تفقد حالة المكان لتجد أن السلاح الفردي رشاشه الذي اشتبك به منذ الفجر مع العدو قد تحطم ودرعه الواقي قد تمزق وتفتت وكذلك جهاز الاتصال اللاسلكي الذي كان يؤمن له الاتصال مع القيادة وغرفة عمليات المقاومة .
نظر إلى المكان بعين سليمة ترى الأشياء غبشاً وعين ثانية مثخنة تعطلت مؤقتاً قدرتها على الإبصار بعدما غطتها الدماء والتراب الذي تسببت به الغارة، فرأى المحيط قد انقلب رأساً على عقب بسبب تلك الغارة الجوية .
كان على عينه السليمة ان تتولى عكس إحساس اجتاح كيانه ووجوده في تلك اللحظة بالذات وهو يتذكر مصيبة عاشوراء الإمام الحسين (ع) حيث بات الإمام المتوسد التراب وحيداً قد قتل أصحابه وأولاده وأخوته وبنو عمومته ينظر إلى حريق خيامه وتمر في خاطره أقسى مصائبه في كربلاء حيث تستعد حرائره وحريمه وأطفاله لرحلة السبي والعذاب .
دمعت عينا “هادي ” بحرقة وكان على هذه العين السليمة أن تواسي عينه الأخرى المصابة والتي كانت تدمع دماً فأهرق بعينه السليمة كل الدموع التي تجمعت تحت شغاف قلبه لتخرج كالجمر المتناثر .
أرخى (هادي السيد حسن ) عينه لمؤاساة عجيبة اختصرت عقيدته بكربلاء وعاشوراء وبالإمام الحسين (ع)، فعلى بعد عشرات الأمتار من عشرات الجنود والآليات وتحت مرمى الطائرات في بقعة مقصوفة بالصواريخ بكى “هادي” إمامه الحسين عليه السلام دماً ودمعاً في وقت واحد وهو لا يعلم أن عيني أمه ترقبان المكان من بعيد داعية بالصبر والثبات لأمهات الذين تعرضوا للغارة دون ان تعرف أن صغيرها هو المقصود ودون أن تدرك أنها كانت تنادي مثله باكية بكل وجودها قائلة ” يا حسين (ع) “.

النص يعبر عن رأي الكاتب وليس بالضرورة عن رأي الموقع

التعليقات مغلقة.

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على ذلك ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول قراءة المزيد