قمة بكين: صفقات هشة وتفاهمات لا تنهي اشتعال الشرق الأوسط

​في توقيت جيوسياسي بالغ الحساسية، تتوجه أنظار العالم نحو العاصمة الصينية بكين، حيث حطت طائرة الرئيس الأميركي دونالد ترامب في زيارة تتجاوز في أبعادها البروتوكولات الدبلوماسية، لتصبح محاولة اضطرارية لضبط إيقاع الأزمات المشتعلة من مضيق هرمز وصولًا إلى بحر الصين الجنوبي، دون امتلاك ضمانات حقيقية للحل المستدام.

​توقيت الزيارة: الهروب من “فخ” الاستنزاف
​لم تكن زيارة ترامب خيارًا استراتيجيًا بقدر ما كانت “مناورة تحت الضغط” فرضتها ثلاثة ملفات حارقة، أولها أزمة الطاقة العالمية؛ فمع التهديدات المستمرة للملاحة الدولية، يدرك ترامب أن بكين، باعتبارها الشريك التجاري الأبرز لطهران، تملك قدرة فريدة على المناورة في هذا الملف. يضاف إلى ذلك استنزاف المقدرات الأميركية، حيث إن الحرب المستمرة في المنطقة استنزفت مخزون السلاح والتركيز السياسي، ما دفع واشنطن للسعي نحو تهدئة مؤقتة تضمن استمرار تدفق الإمدادات الحيوية، فضلًا عن حاجة ترامب لانتصار دعائي يتمثل في صفقات تجارية ضخمة لتهدئة المخاوف من ركود اقتصادي في الداخل الأمريكي.

​معادلة “التفاوض تحت النار”: ملف إيران الشائك
​شكل الملف الإيراني العقبة الأكبر في المحادثات، فبينما كان ترامب يعتمد قبل الزيارة على استراتيجية “الضربات الجراحية” لتدمير البنية التحتية العسكرية، انتقل في بكين إلى مرحلة المقايضة الاستراتيجية. إن التلويح المستمر بتدمير القدرات العسكرية الإيرانية ليس إعلانًا لحرب شاملة بقدر ما هو ورقة ضغط قصوى لإفهام بكين أن تقاعسها عن لجم التصعيد سيؤدي إلى انفجار إقليمي يطيح بمصالح الجميع. يطمح ترامب لتقليم أظافر إيران العسكرية كشرط مسبق لأي مفاوضات، لضمان دخولها في حالة إنهاك، وهو ما قوبل بصلابة ميدانية وسياسية.

​”الصفقة التجارية”: مقايضة الأمن بالتكنولوجيا
​دخل ترامب القمة بعقليته المعهودة كـ “رجل صفقات”، طارحًا معادلة الغذاء والطيران مقابل الرقائق الإلكترونية. سعى لانتزاع تعهد صيني بشراء كميات هائلة من المنتجات الزراعية وطائرات بوينغ، مقابل تخفيف القيود عن عمالقة التكنولوجيا الصينيين، لكن هذه التفاهمات تظل معلقة بانتظار تنفيذ الالتزامات الأمنية في الممرات المائية الحيوية.

​باكستان: “الغرفة الخلفية” للمناورات الصينية
​في كواليس القمة، برز دور باكستان كحلقة وصل استراتيجية أديرت بدقة من بكين، حيث استضافت إسلام آباد لقاءات استخباراتية بين أطراف النزاع. عملت الصين من خلال باكستان كـ “وكيل سلام” لتجنب الإحراج الدبلوماسي المباشر، ما منح بكين القدرة على المناورة والظهور بمظهر الوسيط النزيه، بينما تحافظ في الوقت ذاته على نفوذها القوي لخدمة مصالحها القومية.

​النتائج: هدنة قلقة لا ترقى لخارطة طريق
​رغم الخطابات المتفائلة، لم تسفر الزيارة عن خارطة طريق واضحة لشرق أوسط جديد، بل أنتجت تفاهمات تجارية تخدم الأرقام الاقتصادية الأميركية قصيرة المدى، واتفاقًا صامتًا لخفض التصعيد في مضيق هرمز. ولا يزال خطر الصدام قائمًا، فالتصعيد الإعلامي الأميركي يعكس حقيقة أن واشنطن لم تحصل بعد على التنازلات الجوهرية التي تنهي التهديد العسكري بشكل دائم.

​أثبتت هذه القمة أن إيران، رغم الضغوط العسكرية والحصار، لا تزال تفرض حضورها كلاعب محوري ومؤثر أول في رسم أي خريطة جديدة للمنطقة، مستندة إلى ثبات ميداني واتفاقات استراتيجية عميقة مع بكين. فلم يعد سرًا أن الصين تدعم الموقف الإيراني بتقنيات متطورة تعزز قدراتها الدفاعية والسيبرانية، ما جعل من طهران رقمًا صعبًا لا يمكن تجاوزه أو إملاء الشروط عليه بسهولة. إن هذا الثبات الإيراني، المدعوم تكنولوجيًا من “التنين الصيني”، يضع طموحات ترامب أمام واقع معقد، حيث لم تعد القوة الأميركية وحدها قادرة على صياغة مستقبل المنطقة، بل باتت إيران شريكًا إجباريًا في تحديد ملامح الاستقرار أو الانفجار القادم.

التعليقات مغلقة.