السلاح والذاكرة المثقلة بالدم

احصل على تحديثات في الوقت الفعلي مباشرة على جهازك ، اشترك الآن.

ريما فارس – خاص الناشر |

ليس الحديث عن السلاح في لبنان شأنًا عابرًا. كل مرة يُفتح هذا الملف بطريقة استفزازية، تهتز ذاكرة اللبنانيين المثقلة بالدماء. من يرفع شعار “النزع الفوري” يتجاهل أن هذا البلد خَبِر حربًا أهلية دامت خمسة عشر عامًا (1975 – 1990)، حصدت ما يقارب 150 ألف قتيل، وأدت لنزوح مئات الآلاف. حربٌ بدأت بين أحزاب وطوائف، وانتهت باتفاق الطائف الذي نصّ على حلّ الميليشيات وتسليم سلاحها. لكن الواقع لم يكن بهذه البساطة: الاحتلال الإسرائيلي للجنوب، وتفوق جيش العدو، أبقى المقاومة في وضعٍ استثنائي حتى التحرير عام 2000، ثم في مواجهة حرب 2006 استطاع الحزب تحقيق الاإنتصار الساحق.

لكن، ماذا يحدث حين يُطرح السلاح بقرار فوقي أو دولي دون تفاهم داخلي؟
الجواب جاء في أيار 2008. يومها اتخذت الحكومة قرارًا بمصادرة شبكة اتصالات المقاومة وإقالة مسؤول أمني، فانفجر الشارع. بيروت والجبل تحولا إلى ساحة اشتباكات، وسقط عشرات القتلى. لم تُطفأ النار إلا باتفاق الدوحة الذي أعاد التوازن السياسي، مثبتًا قاعدة واضحة: محاولة فرض أمر واقع بالقوة العسكرية أو السياسية تعني جرّ البلد إلى حربٍ أهلية مصغرة.

تجربة طرابلس بين 2012 و2014 تعطي برهانًا آخر. هناك، اندلعت جولات عنف متكررة بين باب التبانة وجبل محسن، سقط فيها العشرات، وأُنهك اقتصاد المدينة. لم يكن السبب “السلاح وحده”، بل كان خليطًا من تحريض مذهبي، وفقر مدقع، وساحة متروكة للتوظيف الإقليمي. والنتيجة: كل شرارة صغيرة كانت تتحول إلى حريق كبير.

واليوم، حين يطالب البعض بتسليم السلاح، يتجاهلون حقيقة ثابتة: “إسرائيل” لم تخرج بالكامل من لبنان، ومزارع شبعا وتلال كفرشوبا والجزء اللبناني من الغجر ما زالت محتلة، والخروقات الإسرائيلية اليومية جوًا وبرًا وبحرًا موثّقة في تقارير الأمم المتحدة، فكيف يمكن لحزب الله أو لأي قوة مقاومة أن تُسلّم سلاحها في ظل احتلال قائم وعدو يهدد الحدود؟ ذلك لا يُسمى “احتكار الدولة للسلاح”، بل يُسمى استسلامًا أمام العدو وتسليمًا لأرض لم تتحرر بعد.

القانون الدولي (القرار 1559) ينص على نزع سلاح الميليشيات، نعم، لكن التطبيق لا يتم بضغط خارجي، بل بتسوية داخلية وتوازنات واقعية، وبموازاة تقوية الجيش، وإعطائه الإمكانات ليحمي الحدود لا ليُستعمل أداة في فتنة داخلية.

إن نزع السلاح بالقوة اليوم يعني فتح أبواب حرب أهلية جديدة. والدول التي تدفع بهذا الاتجاه تتحمل مسؤولية الدماء التي قد تسيل، لأن لبنان ليس ساحة فارغة؛ هو مجتمع معقد، جُرحه القديم لم يندمل بعد. أيّ خلل في التوازنات قد يُطلق الرصاص في صدر البلد مجددًا.

الطريق الواقعي واحد: حوار وطني يفضي إلى استراتيجية دفاعية متفق عليها، يقوى فيها الجيش، وتُبنى مؤسسات قادرة على حماية الداخل والخارج معًا. غير ذلك، كل حديث عن “نزع فوري” ليس سوى دعوة مقنّعة لعودة الحرب.

والقاعدة القرآنية تبقى ماثلة: «ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة»، ومن يجرّ لبنان إلى هذا المسار، إنما يضعه على طريق التهلكة باسم شعارات براقة.

النص يعبر عن رأي الكاتب وليس بالضرورة عن رأي الموقع

التعليقات مغلقة.

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على ذلك ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول قراءة المزيد