بعد الفشل العسكري.. أميركا و”إسرائيل” واستخدام سلاح التجويع

احصل على تحديثات في الوقت الفعلي مباشرة على جهازك ، اشترك الآن.

تزامنًا مع حربه الوحشية على قطاع غزّة، استكمل الكيان الصهيوني شن حرب التجويع بحق سكان القطاع دون استثناء، وقد عمد لتطبيق سياسته الوحشية هذه منذ اللحظات الأولى للحرب، حيث عمل على تدمير وسحق كلّ مقومات الحياة والعيش، من أفران ومصانع ومحطات مياه وكهرباء، وكلّ ما هو مرتبط باستمرارية الحياة.


سياسة التجويع هذه لم تكن جديدة في قاموس الصهاينة، ولا حتّى في قاموس أتباعهم من الدول الغربية الاستعمارية ومعهم الولايات المتحدة الأميركية، والتاريخ يطول ويختزن الكثير من سياسات التجويع المشابهة التي اعتمدتها هذه الدول الاستعمارية بحق الشعوب المستعمَرة.


تحوّل الجوع إلى أكثر الأسلحة فتكًا في الحروب، وهذا السلاح الذي تلجأ إليها الولايات المتحدة وحلفاؤها دائمًا حين لا تحقق المعارك العسكرية أهدافها، يأتي تحت مفهوم “العصا والجزرة”، وهي تسعى لتطبيقه مهما كانت أثمانه كارثية، والمقصود هنا أرواح الملايين من الشعوب لا سيما في الدول النامية.


وعن أساليب تنفيذه، يأتي في المقدمة، سياسة إغراق الدول المستهدفة بدوامة الديون الأبدية، والعمل على إشعال حرب أهلية بين أبنائها، وفرض حصار خانق وعقوبات اقتصادية ومالية مشددة لأسباب تأتي بمعظمها مفتعلة، وتنطوي كلها تحت مخطّط التجويع الذي تهدف الدول الاستبدادية من خلاله إلى تركيع الشعوب وإخضاعها لسيطرتها.


النماذج والأمثلة المستوحاة من التاريخ الحديث كثيرة، شملت دولًا عديدة في قارات مختلفة، وهي فعليًا لا زالت تعاني من هذه السياسات الاستعمارية، أو على الأقل من تداعياتها. نبدأ مع اليمن ونظام الحصار الخانق الذي يتعرض له الشعب اليمني منذ أكثر من عقد من الزمن، حيث ذكر برنامج الأغذية العالمي أن “أزمة اليمن التي طال أمدها مدمرة لملايين العائلات، لافتًا إلى أن أكثر من نصف سكان اليمن (16.2 مليون) يواجهون خطر الجوع الحاد”، واليوم يشتد الحصار الغذائي أكثر فأكثر على الشعب اليمني مع دعمه المطلق للمقاومة في غزّة، وإسناده لها بكلّ الوسائل الممكنة والمتاحة بهدف إنهاء الحرب الوحشية والحصار المفروض على سكان القطاع.


من آسيا لإفريقيا، وتحديدًا لجنوب السودان الذي كان قد أعلن استقلاله عن الشمال منذ عام 2011، حيث يقبع ما يقارب الـ7.5 مليون إنسان في مستنقع من التجويع والحصار، رغم كلّ ما تمتلكه هذه البلاد من ثروات نفطية، إلا أن سياسة الفتن والاقتتال الداخلي التي كانت الولايات المتحدة والغرب وبعض الدول العربية المحرض الأول لها والراعي الرسمي لاندلاعها، أغرقت هذا الشعب في دوامة الجوع وانعدام الأمن الغذائي.


وبالعودة إلى القضية الأساس، فلسطين، وتحديدًا ما يجري اليوم في قطاع غزّة، فإن سياسة التجويع والحصار التي بلغت أقصى درجاتها، تهدف لتدمير معنويات المقاتلين الفلسطينيين وتدمير القدرة على القتال وتهجير سكان القطاع، فضلًا عن زيادة الضغط على حماس وإخضاعها بالتوازي مع مباحثات التهدئة، وحصول “إسرائيل” على تنازلات بشأن التهدئة تخدم مصالحها، بالإضافة إلى محاولات المماطلة وكسب الوقت التي يقوم بها نتنياهو.

سياسة التجويع هذه تأتي بالطبع تحت غطاء وتواطؤ دولي يدعمها بشكل مطلق، إذ لا يمكن لهذا الحصار أن يستمر منذ خمسة أشهر دون وجود تراخٍ دولي ومصادقة ضمنية دولية عليه، تهدف في نهاية المطاف لإخضاع الشعب الفلسطيني وإذلاله والاستمرار في سلب حقوقه وثرواته. ولعلّ غياب العالم العربي عن ممارسة الضغوطات اللازمة بهذا الشأن، يعزز من استمرار الاحتلال في حربه الوحشية وسياسة التجويع دون أي حدود.


تشير الإحصاءات إلى أن سكان غزّة يشكلون حاليًّا 80 بالمئة من مجموع الأشخاص الذين يواجهون المجاعة أو الجوع الكارثي في جميع أنحاء العالم. والجدير بالذكر أن العالم لم يشهد منذ الحرب العالمية الثانية مثل هذه المجاعة السريعة والكاملة للسكان المدنيين، فضلًا عن أن 335 ألف طفل دون سن الخامسة يتعرضون لخطر سوء التغذية الحاد مع استمرار تزايد خطر المجاعة.


تعكس غزّة اليوم بكلّ معاناتها وآلامها صورةً لنموذجين مختلفين من القوى السائدة في هذا العالم، الأولى تتمثل بصورة السياسة الاستبدادية والاستعمارية المغلفة بالشعارات الكاذبة المرتبطة بحماية حقوق الإنسان وحرياته وحقه في العيش والحياة الكريمة، والتي تتبنّاها القوى الاستكبارية العالمية وفي مقدمتها الولايات المتحدة الأميركية وحلفائها، أما الصورة الأخرى فهي تعكس إرادة الشعوب في تحديد مصيرها وحماية أرضها ومقدساتها حتّى لو وقف العالم بأسره في وجهها، وإن كان مهر هذه الحرية تضحية وشهادة.

النص يعبر عن رأي الكاتب وليس بالضرورة عن رأي الموقع

التعليقات مغلقة.

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على ذلك ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول قراءة المزيد