الحُرية بين مرحلتين مُختلفتين.. قراءة ذاتية في المفهوم

احصل على تحديثات في الوقت الفعلي مباشرة على جهازك ، اشترك الآن.

هاني العبندي* – خاص الناشر |

تسارعت الخُطى نحو ذلك الضوء، والذي يمثل جسر عبور بعد أن أحاطني اليأس من كل جانب، وعاث الاحتلال خرابًا في ذاتي، حتى ظننت أنني وصلت للنهايات المختومة بختم الحُرية، حُرية الهروب من البقاء في بئرِ الانكسارات ومضاعفاتها إلى شيء لم أعرف كيف يكون تشكلهُ ولا كيف أتكامل معهُ ونحوه، في ذلك الوقت أي قبل ١٦ عامًا أو يزيد ، كُل ذلك لم أكن اكترث له، ولأنني كُنت أختنق من نقص أُكسجين الحُرية فقد كان الغياب هو الاحتلال المؤقت والطبيعي، وحينما تحررت من قيوده القاسية، ووجدت الحُرية التي أنتظر، حُرية تنفس إنسانيتي مع من يُماثلني في الرغبة، والتكامل، والانفكاك من النرجسية القديمة إلى فضاء ثنائي التكوين يُسمى أسرة.

يسألني بعض الأصدقاء والباحثين عن النصف الآخر، عن أي حرية وجدتها وهل كنت مسلوبًا منها؟!

أيها الأصدقاء والباحثون عن نصفكم الآخر ، أعتقد أن مفهوم الحرُية مُتعدد ولا يُمكن حصرُه في المفاهيم المُعاصرة بالرغم من أهميتها كالحرية في المشاركة في صناعة القرار الوطني، وحرية تأسيس أحزاب سياسية وما إلى ذلك مما تطالب بِه الشعوب على اختلاف معتقداتها وقومياتها.

إن الإنسان الذي لا يزال بعيدًا عن فكرة البحث عن الزواج، فضلًا عن المضي نحو هذا الطريق، يُعاني من نقص في الحرية بل ربما أقرب للعدم. الحرية التي أتحدث عنها هي التكامل الطبيعي، والتخلص من إرث النرجسية التي تذبح الشعور الإنساني. ويكمن المفهوم الفلسفي للحريةِ بأنه الارتقاء بالإنسان بنحو يحفظ كرامته ويعلي من شأنها أكثر مما مضى. إنها الكرامة الإنسانية التي تُرافقنا مُنذ لحظة الولادة. وبِكل تأكيد إن الحياة السابقة لا تعني أننا منقوصو الكرامة حتى لا يُساء الفهم، لكن حتمًا أن الغياب كما وصفته في المُقدمة هو الاحتلال الذي يُشكل خطورة حقيقية قد تُبعد البعض عن المسار الإنساني. الغياب هنا قد يكون غياب التعبير عن مشاعر تجتاحنا، ورُبما فكرة قصيدة لم تكتمل أُريد لها أن تُحطم فيها الكذب المُسال عبر الشاشات المُستعربة والعربية على حد سواء، إلا أن أكثر صور الغياب توحشًا حينما تجد ذاتك هشمها التيه.

في إحدى الليالي دار حديث حول ظاهرة الافتراق الاجتماعي في المجتمع واللسان لهج بالدعاء بِالحفظ. تساقطت أوراق العُمر ورقة تلو ورقة حتى ترسخ اعتقاد أن الغياب أصبح عدمًا وأنني لن أراه مُجددًا، لكنها الأقدار التي رُسمت قبل ميلادنا البيولوجي.

هكذا وجدت ذاتي من جديد أعيش في حُرية ناقصة أو غريبة ورُبما مشوهة، كُل ذاك من أجل إيمان بمجموعة قيم ومبادئ ترسخت مُنذ الطفولة التي أُشبعت انتهاك لحقوقها الانسانية مما ضاعف قوة التمسك بها. ويبقى السؤال الذي يُلقي بثقلهِ على قارعة الطريق دون مواربة ماذا بعد كل هذه المواجهات بين الإيمان والاحتياج، إيمان تراكمي واحتياج طبيعي من أجل حُرية فُقدت في ذات قرار ظننته ذا مفعول قصير المدى وإذ به يُصبح بعيدًا وأكثر تعقيدًا.

أيها السادة والسيدات، إن الحُرية قد تُسلب حينما يأتي الغياب ليبني جدارًا يعزلنا عنها، ورُبما يشوه صورتها الأجمل، المرأة وطن والأمومة حياة وهما جناحا المجتمعات البشرية ودونهما يصبح البشر كائنات متوحشة كما نُشاهد عبر نشرات الأخبار على مدار الساعة.

*صحفي سعودي

النص يعبر عن رأي الكاتب وليس بالضرورة عن رأي الموقع
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.