التطبيع ودوْر النُّخَب المثقّفة

احصل على تحديثات في الوقت الفعلي مباشرة على جهازك ، اشترك الآن.

تحية إلى سماح إدريس

لا يمكن الحديث عن التطبيع مع العدو وخطره على الأمة دون ذكر أحد رواد محاربة التطبيع، والعضو المؤسِّس في حملة مقاطعة داعمي “إسرائيل”، الراحل الدكتور سماح إدريس. وتحيةً من “الناشر” له في أربعينه ننشر في ما يأتي مقتطفات من كلمة ألقاها في ندوةٍ أقامها مركزُ الأبحاث في معهد العلوم الاجتماعيّة في الجامعة اللبنانيّة تحت عنوان “المجتمعات التعدّديّة ومقاومة التطبيع – مقاربات سوسيولوجيّة”، ونشرها موقع مجلة “الآداب” في 21 كانون الثاني 2021.

سأحاول هنا أن أطرحَ عددًا من الاقتراحات التي أرى أنّ في مقدور العاملين في الشأن الثقافيّ أن يضطلعوا بها أو ببعضها من أجل مواجهة التطبيع مع العدوّ؛ إضافةً طبعًا إلى ما يقومون به أصلًا في هذا المجال.
1) توثيق التطبيع وتوثيق مقاومته. التطبيع لم ينشأ اليوم، بل له جذور، أبرزُها في اتفاقيّات كامب دايفيد، مع مثقّفين أمثال توفيق الحكيم والدكتور حسين فوزي (الأخير حاضَرَ في جامعة حيفا سنة 1978)، قبل أن تتفاقمَ الأمورُ مع لطفي الخولي وعبد المنعم سعيد وحسن الحيوان وصلاح بسيوني ومراد وهبة وغيرِهم من المثقفين المصريّين والفلسطينيّين والأردنيّين الموقّعين على إعلان كوبنهاغن سنة 1997 إلى جانب ديفيد كمحي وشلومو بن عامي وآخرين من الجانب “الإسرائيليّ”. أمّا مقاومةُ التطبيع فقد بدأت في فلسطين منذ حلول الاستيطان الصهيونيّ أوائلَ القرن المنصرم، لكنّها تجلّتْ ساطعةً في مصر في نهاية السبعينيّات مع كتّابٍ كبار أمثال لطيفة الزيّات وحلمي شعراوي وسيّد البحراوي ورضوى عاشور وصلاح عيسى ضمن “لجنة الدفاع عن الثقافة القوميّة” (…) لذا، على مناهضي التطبيع أن يعودوا إلى التاريخ القريب من أجل استيعاب أسس التطبيع وسبلِ مقاومته.


2) التطبيع مرتبط، عادةً، بفكر الانعزال عن المحيط العربيّ. يَصْعب أن تجدوا مطبِّعًا أو تطبيعيًّا يؤْمن بالفكر القوميّ؛ وكثيرًا ما يروِّج -من دون أيّ إثبات- أنّ التطبيعَ يُفيد بلدَه الذي “أرهقتْه” قضيّةُ تحرير فلسطين. لذا، فإنّ جزءًا من عمل المثقف المناهض للتطبيع لا بدّ من أن يكرَّسَ لترويج الفكر القوميّ وتجديدِه وجعلِه مشروعًا جذّابًا ورشيقًا ومُقْنعًا. وهذا العمل يَشمل التصدّي لشعارات “لبنان أوّلًا” و”الأردن أوّلًا” و”مصر أوّلًا” (إلى آخره)، بعد إظهارِ أنّ الصهيونيّة عدوُّ كلّ الطامحين في أقطارنا إلى الاستقلال والتقدّم، وأنّ مشروعَها هو استتباعُ خيرات هذه الأقطار لمصالح الاستعمار الذي أنشأ الكيانَ الصهيونيَّ نفسَه.


3) التطبيع مرتبط بالإعلام الرسميّ العربيّ. وذرائعُ التطبيع منتشرةٌ على الفضائيّات تحت ستار “الرأي الآخر” و”حريّة التعبير”. لذا، فإنّ محاربة التطبيع تكون بمحاربة هذا النهج الإعلاميّ الذي يسوِّق التطبيعَ على أنّه محضُ حوارٍ مع “آخر”، لا مع محتلٍّ ومستعمِرٍ ومهجِّر. وواجبُ المثقّف الذي نطمح إليه هو أن يرسِّخ مقاومةَ دولة الاحتلال في المجالات كافةً، وعلى رأسها المجالُ الإيديولوجيّ، كي لا ينتشرَ الزعمُ أنْ لا عداءَ إيديولوجيًّا معها وأنّ “مشاكلَنا” معها تُحلّ بالتزامها المبادرةَ العربيّة في قمّة بيروت.


وفي هذا الإطارينبغي فضحُ الشعارات التطبيعيّة الرائجة إعلاميًّا، من قبيلِ أنّ “التواصلَ مع “إسرائيل” هو من باب “اعرفْ عدوَّك” وأنّ “زيارةَ السجين ليست كزيارة السجّان” وأنّ “أوسلو ممرٌّ إجباريٌّ للتحرير” وأنّ “التنسيقَ الأمنيّ مع “إسرائيل” يَخدم الشعبَ الفلسطينيّ” وأنّ “مناهضة التطبيع تنمّ عن فكرٍ أصوليّ يكبح حريّة التعبير”. وربّما ينبغي تكريس مراصد ثقافيّة-إعلاميّة للردّ على تلك الشعارات.
4) استكمالًا لِما سبق نضيفُ أنّ التطبيع مرتبطٌ بفكرٍ ليبراليٍّ ماكرٍ يَعْزل الأكاديميّين “الإسرائيليّين” عن المؤسّسات التي يعملون فيها. بيْد أنّ هذه المؤسّسات، في واقع الأمر، ضالعةٌ في قمعنا عبر وسائلَ متعدّدة، أشرسُها الإسهامُ المباشرُ في دعم الجيش “الإسرائيليّ” (…) وعلى المثقف المنشود مسؤوليّةُ وضع الأكاديميا “الإسرائيلية”، عمومًا، في سياق الاحتلال والاستعمار، وفي سياق تبريرِهما.


5) التطبيع مرتبط بقطاع التربية. كم من أولادنا في لبنان مثلًا تعلّموا شيئًا في المدارس عن نكبة فلسطين والمقاومة المستمرّة منذ ما قبل نشوء الكيان؟ كم واحدًا منهم يَعْلم أنّ هناك قانونًا في لبنان يُلزم اللبنانيين بعدم التعامل مع “إسرائيل”؟ يجب على العاملين في الحقل التربويّ، وهو حقلٌ ثقافيٌّ بامتياز، تدريسُ تاريخ الصراع مع العدوّ بشكلٍ واسع، بعيدًا عن فزّاعة “تسييس التعليم”.


6) للتطبيع حواملُ سياسيّةٌ وحزبيّة وأنجيئوزيّة. لذا فإنّ إحدى وسائل محاربته تكون بانخراط المثقّفين الوطنيّين في حملات المقاطعة ومناهضةِ التطبيع، والعملِ على نشرِ مبادئها وترشيد أدائها إذا اقتضى الأمر. على المثقّف المستقلّ أن “يتنازلَ” ويشاركَ في عمل هذه الحملات لأنّ العملَ الجماعيّ -عادةً- أقوى أثرًا وأوسعُ انتشارًا.
7) المقاطعة ومقاومة التطبيع خيارٌ يمكن أن يكون ناجحًا، لا محضَ شعارٍ طوباويّ (…) لذا أرى أنّ من واجب المثقف المنشود أن يَنشر إنجازاتِ المقاطعة، ولا سيّما في مجال سحب الاستثمارات ووقفِ المشاريع المرتبطة بالاحتلال، من أجل أن يبثَّ في الناس شيئًا من ثقافة الأمل مقابل ثقافة الإحباط الطاغية.


8) التطبيع ليس محصورًا بطائفةٍ أو مذهب. ومن ثمّ فإنّ مقاومتَه ليست مقصورةً على طائفةٍ بعينها أو مذهبٍ بعينه. لذا، ينبغي على مثقفنا، خصوصًا اليوم، عدمُ الإسهام في تطييف التطبيع ومذهبتِه، ولا في تطييف مقاومة التطبيع ومذهبتِها.


9) على هذا المثقّف أيضًا عدمُ الخلط بين أنظمة التطبيع الخليجيّة والمواطنين القاطنين في الخليج، وبينهم مناضلون يقبعون اليوم في السجون دفاعًا عن فلسطين ومناهضةِ الاستعمار.


10) ينبغي على مثقّفنا ألّا يُخْضعَ مسألةَ مقاومة التطبيع ومقاطعةِ “إسرائيل” لأيِّ من التكتيكات أو التحالفات السياسيّة. إنّ أولويّةَ محاربةِ “إسرائيل” وعزلِها ينبغي أن تعلو فوق أيّ تكتيكٍ أو تحالف؛ فكيف إذا كان هناك قانونٌ يُلزم جميعَ اللبنانيين (والعرب) بذلك؟ للأسف بعضُنا لا يَعلم أنّ جامعةَ الدول العربيّة أصدرتْ سنة 1950 قانونًا تبنّاه لبنان سنة 1955، وتنصّ مادّتُه الأولى على الآتي:
“يُحظَّر على كلّ شخصٍ، طبيعيٍّ أو معنويّ، أن يَعْقدَ، بالذاتِ أو بالواسطة، اتفاقًا مع هيئاتٍ أو أشخاصٍ مقيمين في إسرائيل، أو منتسبين إليها بجنسيّتِهم، أو يعملون لحسابِها أو لمصلحتِها، وذلك متى كان موضوعُ الاتفاق صفقاتٍ تجاريّةً أو عمليّاتٍ ماليّةً أو أيَّ تعاملٍ آخرَ مهما كانت طبيعتُه”.


11) نقترح على مثقّفينا التشديدَ على أنّ صراعَنا مع العدوّ ليس صراعًا دينيًّا (…) على أنّ ذلك لا يَحُول دون أن يكون الدينُ (غيرُ الممذهَب) محَفِّزًا للنضال ضدّ “إسرائيل” ضمن محفِّزاتٍ وطنيّةٍ أخرى.
12) من مهامّ المثقّف المعادي لـ”إسرائيل” تجديدُ أساليب مواجهة التطبيع. أساليبُ معظمنا في هذه المواجهة خطابيّةٌ وكتابيّة، وقلّةٌ منّا تلجأ إلى الإنفوغرافيكس والفيديو مثلًا، مع أنّ هذه الأساليبَ أكثرُ جذبًا للجيل الشابّ. وقد سبق أن اقترحتُ تطويرَ المقاومة الإلكترونيّة عبر مجالاتٍ يُبْدع فيها المثقّفون الشبابُ بشكلٍ خاصّ، ومن بينها:

  • إنشاءُ تطبيقٍ كرتونيّ (أنيمايشن) للأطفال يبسِّط تاريخَ الصراع مع العدوّ.
  • إنشاءُ تطبيقٍ عن الفنّ المقاوم.
  • نشرُ مسابقةٍ على النشء الجديد، عبر الفضاء الإلكترونيّ، لحثّ الطلاب على معرفة فلسطين، وتاريخِ المقاطعة، وجرائمِ العدو، وأبطال المقاومة وشهدائها.
النص يعبر عن رأي الكاتب وليس بالضرورة عن رأي الموقع
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.