وحدة السلاح والمعول: سلالة الأرض الواحدة
في الأوّل من أيار، لا يطلّ العيدُ كاستراحةٍ عابرة في تقويم الأيام، بل يأتي كوقفة عزّ تليقُ بمن جعلوا من ملوحة العرق وصيّةً للأرض. ليس هذا اليوم مجرد ذكرى لانتزاع حقوقٍ في المصانع والورش، بل هو في جنوب لبنان حكايةٌ أخرى؛ حكايةُ إنسانٍ لم يكتفِ بصناعة خبزه، بل صاغ بدمه وصبره خارطةً للكرامة. هنا، في هذه البقعة المبللة بالعزّ، يسقط الفاصل بين “المهنة” و”الهوية”، ليصبح العمل بكل أشكاله صلاةً طويلة في محراب البقاء.
في تلك القرى الصامدة على تخوم التماس، حيث تلامس الحقولُ خطوط النار، يتلاشى الفرق بين من يحمل المعول ومن يحمل البندقية؛ فكلاهما ينتمي إلى سلالةٍ واحدة، سلالة الذين لا يعرفون الانكسار. الفلّاحُ، والعاملُ، والمجاهدُ.. جميعهم شركاء في “مهنةٍ واحدة” هي حراسة الوجود. فالمجاهد لا يبدو غريباً عن صورة العامل، بل هو امتدادٌ طبيعي لها؛ هو اليد التي تحمي اليد التي تبني، وكلاهما يدرك أن فعله ليس ترفاً، بل ضرورةٌ قصوى لاستمرار النبض في جسد الوطن.
إنّ عيد العمال في الجنوب المقاوم ليس مناسبةً نقابية ترفع الشعارات وتطالب بالامتيازات، بل هو شهادةٌ يومية على أن الإصرار على البقاء هو أعظم أنواع المقاومة. فعندما يذهب العامل إلى ورشته رغم أزيز الطائرات، وعندما تفتح المحالّ أبوابها تحت التهديد، يتحول العمل من كونه وسيلة لعيش الفرد إلى كونه “موقفاً سياسياً” بامتياز. إن الإبقاء على عجلة الحياة دائرةً في ظل محاولات الخنق المستمرة هو التعريف الحقيقي للبطولة.. فالخبز هنا، يحميه الدم.
من هنا، يتجاوز الأول من أيار في ذاكرتنا الحدود التقليدية للطبقة العاملة، ليصبح مناسبةً لتكريم كل من “يعرق” في سبيل الأرض، سواء كان عرق جبينٍ فوق تربةٍ معطاء، أو سهر عينٍ على ثغرٍ مرابط. ففي فلسفة الجنوب، لا يوجد فرقٌ جوهري بين من ينتج الرغيف ومن يمنع الغزاة من سرقته؛ المعركة واحدة وإن اختلفت الأدوات، أداةٌ تبني الحاضر، وأداةٌ تحرس إمكانية وجود هذا الحاضر من الأساس.
هو عيدٌ يختلط فيه العرق بالدم، والتعب بالصبر، والوجع بالكبرياء. فيه لا تكون عبارة “كل عام وأنتم بخير” مجرد مجاملة عابرة، بل هي دعاءٌ عميق بصلابة العود واستمرار المدد؛ لأن بقاء هذا الإنسان في أرضه هو بحد ذاته الهزيمة الكبرى للمعتدي، في عصرٍ يثبت فيه الإنسان أن الإرادة أقوى من الترسانة، وأنّ من يستحق الحياة هو من يجرؤ على حمايتها وصناعتها يوماً بعد يوم.
التعليقات مغلقة.