أيّها الإعلام: اعرف عدوك!

ليست أزمة الإعلام اللبناني اليوم في الانقسام السياسي، فهذا الانقسام قديم قِدم الحياة السياسية نفسها، بل تكمن في التحوّل التدريجي لبعض المنابر من موقع نقل الحدث إلى موقع إعادة إنتاج رواية الخصم وتسويقها، تحت عناوين المهنية والموضوعية والانفتاح. وهنا تحديدًا تكمن الخطورة؛ لأن التطبيع الإعلامي لا يبدأ عادةً بإعلان الولاء للعدو، بل بخطوات صغيرة ومتراكمة، تنتهي بجعل حضوره في الوعي العام أمرًا طبيعيًا ومألوفًا.

من بين أكثر الأمثلة دلالة على هذا المسار ما شهدناه مؤخرًا، عندما حاولت قناة “الجديد” توجيه سؤال مباشر للنائب حسن فضل الله، مصدره المتحدث باسم جيش الاحتلال الإسرائيلي أفيخاي أدرعي. وعندما رفض النائب الإجابة، احتدّ الإعلامي جورج صليبي بطريقة بدت وكأنها دفاع عن حق أدرعي في أن يكون حاضرًا داخل المشهد الإعلامي اللبناني، أكثر منها دفاعًا عن حق الصحافي في طرح الأسئلة.

المسألة هنا لا تتعلق بسؤال عابر، ولا بحرية العمل الإعلامي، بل بما هو أعمق من ذلك بكثير. فحين يتحول المتحدث باسم جيشٍ يحتل الأرض، ويقتل المدنيين، ويدمر القرى، إلى مصدر طبيعي للأسئلة السياسية داخل الإعلام اللبناني، فإننا نكون قد تجاوزنا حدود المهنية إلى منطقة أخرى أكثر التباسًا وخطورة.

المفارقة أن قناة “الجديد” لم تنشأ أصلًا في هذا الموقع؛ فذاكرة اللبنانيين ما زالت تحتفظ بصورة القناة التي كانت، خلال سنوات طويلة، تُقدَّم بوصفها منبرًا وطنيًا منحازًا إلى قضايا التحرر ومواجهة الاحتلال. بل إن أحد أشهر برامجها كان يحمل عنوان “اعرف عدوّك” من تقديم الإعلامية كلارا جحا، وهو عنوان يعكس بوضوح فلسفة إعلامية تعتبر الكيان الإسرائيلي خصمًا وعدوًا يجب مراقبة سلوكه، وكشف جرائمه، وتفكيك دعايته.

لكن السؤال الذي يفرض نفسه اليوم: كيف انتقلنا من “اعرف عدوّك” إلى نقل صوت العدو نفسه؟ وكيف تحولت بعض الشاشات من فضاء يراقب الرواية الإسرائيلية ويحللها، إلى مساحة تمنحها حضورًا دائمًا وتسعى إلى إدخالها في النقاش اللبناني الداخلي؟

قد لا يكون الأمر مقصودًا دائمًا، لكنه في كثير من الأحيان يؤدي إلى النتيجة نفسها. فالاحتلال لا يحتاج بالضرورة إلى من يدافع عنه بصورة مباشرة، بل يكفيه أن يُعامل كطرف طبيعي في النقاش، وأن يصبح متحدثه الرسمي مصدرًا مشروعًا للأسئلة والمواقف والتعليقات. عندها يتحقق أخطر أنواع التطبيع: التطبيع الذي لا يطلب من الناس أن يحبوا العدو، بل فقط أن يعتادوا عليه.

ولعلّ ما أثار الاستغراب في حادثة “الجديد” ليس مجرد طرح السؤال، بل رد الفعل على رفض الإجابة عنه، وكأنّ الامتناع عن التفاعل مع أدرعي يحتاج إلى تبرير، أو كأنّ من حق المتحدث باسم جيش الاحتلال أن يجد له مكانًا ثابتًا داخل الحياة السياسية اللبنانية. هنا تحديدًا يستحضر المرء المثل العربي الشهير: “كاد المريب أن يقول خذوني”؛ فذلك الحرص المبالغ فيه على إثبات مهنية القناة ووطنيتها بدا أقرب إلى محاولة دفاعية تكشف حجم الإحراج الذي ولّدته الحادثة.

المشكلة الأوسع تتجاوز قناة بعينها إلى واقع الإعلام اللبناني عمومًا. فمنذ سنوات، تتسلل إلى بعض المؤسسات الإعلامية ثقافة جديدة تقوم على مساواة الضحية بالجلاد، والمعتدى عليه بالمعتدي، والمقاوم بالمحتل. وتُقدَّم هذه المساواة بوصفها حيادًا مهنيًا، فيما هي في حقيقتها انحياز ضمني للرواية الأقوى إعلاميًا والأكثر قدرة على إنتاج صورتها أمام العالم.

إن المهنية الحقيقية لا تعني الوقوف في منتصف الطريق بين الحق والباطل، ولا بين الاحتلال ومن يقاومه؛ فالصحافي يستطيع أن يكون محترفًا دون أن يتخلى عن البديهيات الوطنية والأخلاقية. وحين يتعلق الأمر بكيان ما زال يحتل أراضي لبنانية، وينتهك السيادة يوميًا، ويشن الحروب ويهدد اللبنانيين بشكل مستمر، فإن التعامل مع روايته باعتبارها رواية عادية لا يعدو كونه سقوطًا في فخ التطبيع الناعم.

لقد علّمتنا التجارب أن الاحتلال يبدأ معركته دائمًا في الوعي قبل الأرض، وحين ينجح في فرض حضوره داخل اللغة والخبر والصورة والسؤال، يكون قد قطع شوطًا طويلًا نحو اختراق الحصانة الوطنية للمجتمع. لذلك، فإن مسؤولية الإعلام ليست فقط نقل الوقائع، بل أيضًا حماية الحدود المعنوية التي لا تقل أهمية عن الحدود الجغرافية.

إن ما جرى مع النائب حسن فضل الله ليس حادثة معزولة، بل مؤشر يستحق التوقف عنده. فالإعلام الذي كان يومًا يرفع شعار معرفة العدو وكشفه، يجد نفسه اليوم في بعض المحطات يمنحه مساحة للتأثير في النقاش الداخلي اللبناني. وبين الشعار التاريخي “اعرف عدوّك” والواقع المستجد الذي بات فيه “اللسان مع العدو”، مسافة تختصر كثيرًا من التحولات التي أصابت المشهد الإعلامي في لبنان خلال السنوات الأخيرة.

ويبقى السؤال الذي ينبغي أن يطرحه اللبنانيون على أنفسهم: هل وظيفة الإعلام الوطني أن يشرح للناس كيف يفكر العدو، أم أن يتحول تدريجيًا إلى منصة تنطق باسم هذا العدو؟ بين الجوابين فرقٌ كبير، وهو الفرق بين إعلام يحصّن الوعي الوطني وإعلام يساهم -عن قصد أو عن غير قصد- في تآكل هذه الحصانة. وفي زمن تتداخل فيه الحروب العسكرية مع الحروب الإعلامية والنفسية، يصبح الحفاظ على هذا الخط الفاصل مسؤولية وطنية لا تقل أهمية عن أي شكل آخر من أشكال الدفاع عن الوطن.

تنويه: الآراء الواردة في المقالات الخاصة لا تعبر بالضرورة عن موقف إدارة الموقع.

التعليقات مغلقة.