استراتيجية “الأرض القاحلة”: ماذا تريد “إسرائيل” من الحرب في لبنان؟
في كل حربٍ يخوضها الكيان الصهيوني في لبنان، يتبدّل الشكل وتبقى الغاية واحدة: كسر معادلة الردع التي فرضتها المقاومة منذ عقود. غير أن الحرب الحالية تكشف تحوّلًا لافتًا في التفكير العسكري والسياسي الإسرائيلي؛ إذ لم يعد الهدف مجرد إبعاد الخطر عن الحدود أو تقليص قدرات المقاومة، بل محاولة إعادة رسم الجغرافيا السياسية والأمنية للجنوب اللبناني عبر ما يمكن تسميته استراتيجية “الأرض القاحلة”.
هذه الاستراتيجية تقوم على فكرة بسيطة في ظاهرها، لكنها عميقة في آثارها: خلق منطقة عازلة داخل الأراضي اللبنانية، خالية من البشر والبنية العمرانية، بعمق قد يصل إلى عدة كيلومترات. لا تسعى “إسرائيل” هنا إلى احتلال تقليدي كما فعلت في الشريط الحدودي الذي استمر حتى عام 2000، بل إلى تدمير البيئة الجغرافية والاجتماعية التي يمكن أن تنطلق منها أي مقاومة. فالقرى التي كانت تاريخيًا حاضنة للقتال الحدودي تتحول، وفق هذا التصور، إلى مساحات مدمرة لا تصلح للسكن أو العمل العسكري.
لكن قراءة هذه الخطة تكشف أنها ليست مجرد قرار عسكري، بل جزء من رؤية استراتيجية أوسع. فـ”إسرائيل” تدرك أن القضاء على المقاومة لا يمكن أن يتحقق بالقوة العسكرية وحدها، لذلك تحاول الجمع بين ثلاثة مستويات من الضغط: الضغط العسكري عبر القصف والتوغل، والضغط الجغرافي عبر تغيير الواقع الميداني، والضغط السياسي عبر محاولة فرض ترتيبات جديدة على الدولة اللبنانية.
في هذا السياق، تبدو فكرة “إعادة تصميم المنطقة” التي يطرحها بعض المسؤولين العسكريين الإسرائيليين تعبيرًا مخففًا عن سياسة تدمير ممنهج للبنية التحتية والقرى الحدودية. الهدف ليس فقط منع إطلاق الصواريخ أو الصواريخ المضادة للدروع، بل خلق واقع ميداني يجعل أي وجود مسلح في تلك المنطقة شبه مستحيل. إنها محاولة لتغيير قواعد الاشتباك عبر تغيير المكان نفسه.
غير أن هذه المقاربة تصطدم بعدة حقائق تاريخية وسياسية. فالتجربة الإسرائيلية في جنوب لبنان أثبتت مرارًا أن السيطرة العسكرية على الأرض لا تعني بالضرورة السيطرة على المجتمع. لقد أنشأت إسرائيل في الماضي شريطًا أمنيًا واسعًا، لكنه تحوّل مع مرور الوقت إلى عبء عسكري وسياسي انتهى بانسحابها عام 2000 تحت ضغط العمليات المستمرة للمقاومة.
كما أن تحويل منطقة واسعة من الجنوب اللبناني إلى أرض مدمرة لا يخلو من مخاطر استراتيجية. فمثل هذه السياسة قد تعمّق النزاع بدل أن تنهيه، لأنها تدفع المجتمع المتضرر إلى مزيد من التماسك حول فكرة المقاومة، بدل أن تفصله عنها كما تراهن بعض الدوائر الإسرائيلية.
إلى جانب ذلك، تعتمد هذه الخطة على فرضية سياسية شديدة التعقيد، وهي أن الدولة اللبنانية قد تُدفع في مرحلة لاحقة إلى قبول ترتيبات جديدة، قد تشمل إعادة إعمار مشروطة أو اتفاقات أمنية طويلة الأمد. لكن الواقع اللبناني والإقليمي يجعل تحقيق مثل هذا السيناريو أمرًا بعيد الاحتمال، لأن أي حكومة لبنانية ستواجه تحديًا سياسيًا هائلًا إذا حاولت القبول بخسارة الأرض أو تهجير سكانها.
من هنا، يمكن القول إن الحرب الحالية لا تدور فقط حول السيطرة على بضعة كيلومترات من الأرض، بل حول محاولة إعادة صياغة ميزان القوة في لبنان والمنطقة. “إسرائيل” تسعى إلى فرض معادلة جديدة تمنحها عمقًا أمنيًا دائمًا، بينما تراهن المقاومة على أن صمودها الميداني سيحول هذه الخطة إلى مشروع مكلف وغير قابل للاستمرار.
التاريخ القريب للصراع في لبنان يشير إلى أن المعارك الحدودية نادرًا ما تُحسم بالقوة العسكرية وحدها. فالجنوب اللبناني كان دائمًا ساحة تتداخل فيها الجغرافيا مع المجتمع، والسياسة مع الذاكرة التاريخية. ولذلك فإن أي محاولة لتحويله إلى “أرض قاحلة” قد تنجح مؤقتًا في تغيير المشهد الميداني، لكنها لا تستطيع بسهولة تغيير الواقع السياسي والإنساني الذي صنع هذا الصراع منذ عقود.
في النهاية، يبقى السؤال الحقيقي الذي ستجيب عنه الأيام القادمة: هل تستطيع “إسرائيل” فرض واقع جغرافي جديد بالقوة، أم أن الجنوب اللبناني سيعيد إنتاج معادلة الصمود التي أسقطت كل مشاريع السيطرة السابقة؟
الإجابة عن هذا السؤال لن تحدد فقط مستقبل الحدود اللبنانية–الإسرائيلية، بل قد ترسم ملامح مرحلة جديدة في توازنات الشرق الأوسط بأسره.
النص يعبر عن رأي الكاتب وليس بالضرورة عن رأي الموقع

التعليقات مغلقة.