باب المندب وبحر حِمْيَر: السيادة الجغرافية والحق التاريخي لليمن

آب 1, 2026 فيصل الخليفي 5 قراءة 1 دقائق قراءة

في قلب الجغرافيا السياسية للعالم، يقف مضيق باب المندب ليس مجرد ممر مائي عابر، بل شريان حيوي تلتقي عنده مصالح الشرق والغرب. غير أن القراءة العميقة لهذا الممر الاستراتيجي لا يمكن أن تستقيم دون العودة إلى جذورها الجغرافية والتاريخية الأولى، التي تؤكد بما لا يدع مجالًا للشك أن باب المندب كان، وسيبقى، يمنيًا بالسيادة والتاريخ والمواثيق.

بحر حِمْيَر: الهوية التاريخية الضاربة في العمق
لم يكن البحر الأحمر في الوجدان اليمني مجرد حدود مائية، بل كان امتدادًا حيويًا لأقوى الممالك التي شهدها جنوب شبه الجزيرة العربية. ففي أوج ازدهار الحضارات اليمنية القديمة (سبأ، وقتبان، وحِمْيَر)، عُرف هذا البحر في المخطوطات والخرائط التاريخية القديمة باسم “بحر حِمْيَر” أو “البحر اليميني”.

وتشهد النقوش اليمنية القديمة المدونة بخط المسند أن الأساطيل الحميرية لم تكن تكتفي بنقل البضائع، بل فرضت سيطرتها الكاملة على حركة الملاحة، وأمّنت خطوط تجارة اللبان والتوابل المتجهة نحو شمال العالم وحوض البحر الأبيض المتوسط. إن هذا التأصيل التاريخي يثبت أن الحق اليمني في هذه المياه هو حق أصيل متجذر في عمق التاريخ، وليس وليدًا للاتفاقيات أو التوازنات السياسية الحديثة.

جزيرة ميون: مفتاح الباب وحارس السيادة
إذا كان مضيق باب المندب هو البوابة الجنوبية الغربية لليمن، فإن جزيرة ميون (بريم) هي بمثابة “القفل والمفتاح” لهذا الممر الدولي. تقع هذه الجزيرة الاستراتيجية في قلب المضيق لتقسمه إلى ممرين: الممر الشرقي وهو الممر الرئيسي الصالح للملاحة الدولية العملاقة، والممر الغربي المحفوف بالصخور والجزر الصغيرة.

هذا التموضع الجغرافي الفريد لجزيرة ميون ينقل خطوط القياس الأساسية للمياه الإقليمية اليمنية إلى عمق الممر المائي، مما يمنح اليمن قانونيًا وجغرافيًا سلطة الرقابة والإشراف المباشر. والتاريخ القريب والبعيد يؤكد أن القوى الاستعمارية عبر العصور لم تتمكن من فرض نفوذها على البحر الأحمر إلا بعد محاولاتها السيطرة على جزيرة ميون، مما يبرهن على أن الجزيرة هي الترجمة الفعلية والواقعية للسيادة اليمنية على المضيق.

“المرور البريء” والمواثيق الدولية
وفقًا للمواثيق الدولية، وفي مقدمتها اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار (1982)، فإن لليمن حقوقًا سيادية كاملة على مياهه الإقليمية المقدرة بـ 12 ميلًا بحريًا، وهو ما ينسجم تمامًا مع قانون البحار اليمني رقم (15) لعام 1977.

وفي الوقت الذي يلتزم فيه اليمن بمسؤولياته الدولية في تأمين حركة التجارة العالمية وحق “المرور العابر” للسفن التجارية السلمية، فإن مفهوم “المرور البريء” يظل سياجًا قانونيًا يحمي الأمن القومي اليمني. يمنح القانون الدولي للدولة الساحلية الحق الكامل في مراقبة ومنع أي أنشطة عسكرية، أو تجسسية، أو تخريبية، أو ممارسات تسبب التلوث البيئي الكارثي في مياهها. فالمرور يظل “برئيًا” ما لم يمس سلامة واستقرار الدولة صاحبة السيادة.

التحالفات الدولية ومحاولات سلب السيادة
إن أي محاولات لإنشاء تحالفات عسكرية أو أمنية دولية في البحر الأحمر، خارج إطار التنسيق والسيادة الكاملة للدولة اليمنية، لا يمكن قراءتها إلا كمتغير استعماري جديد، وتعدٍ سافر على الحق التاريخي والجغرافي الأصيل لليمن في مضيق باب المندب. إن تدويل الأمن البحري في هذه المنطقة ومحاولة فرض وصاية أجنبية بحجج واهية، يسلب اليمن حقوقه المشروعة التي كفلتها له الجغرافيا وعمّدها التاريخ منذ عهد “بحر حِمْيَر”.

وأمام هذه التحديات والمطامع، يجب أن يدرك المجتمع الدولي أن اليمن، بجغرافيته الضاربة في عمق التاريخ وبموقعه الاستراتيجي الذي تحرسه جزيرة ميون، لن يقف مكتوف الأيدي تجاه أي مساس أو تعدٍ على حقوقه المائية والسيادية. فحق الدفاع عن النفس وعن المصالح القومية العليا هو حق مقدس ومكفول في كافة المواثيق والقوانين الدولية، وإن أي تجاوز للإرادة اليمنية في مجاله البحري لن ينتج عنه سوى مزيد من التعقيد في المشهد الإقليمي والدولي.

تلازم السيادة والاستقرار العالمي
إن إعادة قراءة الجغرافيا البحرية لليمن من بوابة “بحر حِمْيَر” وجزيرة ميون ليست مجرد استدعاء للمفاخر التاريخية، بل هي تذكير بحقائق الجيوبوليتيك؛ فلم تشهد الملاحة في باب المندب استقرارًا وازدهارًا عبر التاريخ إلا عندما كانت الدولة اليمنية قوية ومستقرة وبسطت سيادتها الكاملة على أرضها وجزرها. إن حماية الهوية اليمنية للمضيق والدفاع عن سيادة مياهه الإقليمية وجزره الاستراتيجية هي الضمانة الحقيقية الوحيدة لاستقرار تدفق الطاقة والتجارة العالمية، بعيدًا عن أطماع الهيمنة الدولية.