في لحظة سياسية بالغة القتامة، وتحت ظلال الإملاءات الأميركية والصهيونية في واشنطن، خطّت الحكومة اللبنانية بمداد الخنوع والارتهان وثيقةً أقل ما يقال فيها إنها “اتفاق العار”؛ وثيقة ولدت ميتة في مهدها، وصيغت بنودها لتكون صك استسلام تفرّط به طغمة عاجزة بسيادة وطن شُيّد بنيانه بدماء الشهداء الأبرار وتضحيات الشرفاء والمقاومين.
إن القراءة المتأنية في تفاصيل هذه المذكرة المشؤومة تصدم حتى أكثر المتشائمين سوءًا، وتكشف عن خسة وتنازلات وتواطؤ تجاوزت كل الخطوط الحمر، وجاءت البنود أشد قبحًا وإذلالًا من أي توقع، حتى لتبدو أطروحات عُتاة “الليكود” الصهيوني أكثر رأفة مقارنة بما تضمنته هذه الاتفاقية من تشريعٍ للجريمة والاحتلال.
لقد بلغت الوقاحة في هذه المذكرة حدًّا يندى له جبين الإنسانية والعدالة؛ ففي الوقت الذي يقف فيه الكيان الغاصب منبوذًا أمام المحاكم الدولية والعدالة العالمية، وملاحَقًا بتهم موثقة بارتكاب حرب إبادة جماعية بربرية ضد أهلنا، تأتي هذه المذكرة لتمنح القاتل حصانة قانونية مطلقة، وتحظر على لبنان رسميًا وشعبيًا رفع أي دعوى قضائية ضده!
ولم يقف قطار الانبطاح عند هذا الحد، بل تعداه لابتداع مصطلحات استخباراتية مطاطية خبيثة كـ “منع النوايا العدوانية”، وهو بند أمني تفخيخي يحوّل السلطة المحلية إلى أداة لقمع الفكر والمشاعر، ومحاكمة الأنفاس والقلوب التي تنبض برفض الاحتلال، في محاولة بائسة لتجريم المقاومة وثقافتها الوجودية.
علاوة على ذلك، برعت المذكرة في شرعنة الاحتلال وتقنين التهجير القسري وجعله أمرًا واقعًا، من خلال ربط عودة الأهالي المهجرين وإعادة إعمار قراهم المدمرة بشروط سياسية وأمنية إذلالية صعبة، محوّلة حق الناس الطبيعي في العيش بأرضهم إلى ورقة ابتزاز رخيصة تخدم مصالح العدو. والأخطر من هذا كله، هو الربط الخبيث للمحتل بمسائل داخلية سيادية حساسة، واشتراط بنود تدفع بالبلاد نحو حافة الهاوية، عبر التأسيس الممنهج لعودة الحرب؛ فإما حرب خارجية يشنها العدو بغطاء شرعي وقّع عليه المتخاذلون، وإما حرب أهلية وفتنة داخلية تشتعل لخدمة الأهداف الإسرائيلية التي عجز العدو عن تحقيقها في الميدان.
لكن، ليعلم الموقعون في واشنطن، ومن أملى عليهم، ومن يتربص خلف الحدود، أن هذه الاتفاقية لا تساوي الحبر الذي كُتبت به، وأنها سقطت قبل أن يجف وعاء مدادها. إن الأرض التي ارتوت بنجيع الشهداء الزاكي، والقرى الصامدة التي تسيّجها جباه الشرفاء وعزيمة المقاومين، ليست عقارًا للبيع أو الرهن في الصفقات الدبلوماسية المذلة. إننا نعلنها بالفم الملآن وبثبات راسخ كالجبال: إن هذا الاتفاق الانبطاحي لن يجد له طريقًا إلى أرض الواقع، ولن يمر بأي شكل من الأشكال إلا على جثثنا وأجسادنا. وكما سقط اتفاق 17 أيار المخزي في الماضي تحت أقدام الأحرار، فإن هذا الاتفاق سيلقى المصير نفسه ليُدفن في مزابل التاريخ، ويبقى لبنان عزيزًا، سيدًا، عصيًا على الانكسار بركائز مقاومته وشرفه المحفوظ ببنادق الأوفياء.