منذ وصول جوزيف عون إلى سدّة الرّئاسة ونوّاف سلام إلى رئاسة الحكومة، عمدت السُّلطة إلى تحريف بعض المفاهيم المرتبطة بالدّولة والسُّلطة والثّورة من خلال خطابها وإعلامها وقراراتها السّياسيّة التي تخلط بين مفهومي السُّلطة والدّولة، وتعطي السُّلطة قدسيّة غير مشروطة وصلاحيّات غير محدودة وتبريرات لمواقف مسيَّسة خبيثة غير مشروعة. فكانت النّتيجة أن سرت شبهة خطيرة إلى الأذهان وهي أنّ الثّورة على السُّلطة القائمة اليوم ليس لها مبرّرات إلّا انطلاقاً من الموقف السّياسيّ بل الأيديولوجيّ الخاصّ بالشّيعة، بل الخاصّ بالمقاومة الإسلاميّة في لبنان. وهذا الفهم للقضيّة باطل، بل مستغرَب إلى حدّ ما.
نعم، الموقف الشّيعيّ الفقهيّ من الثّورة على الحاكم الظّالم شبه واضح وخلاصته ما أفاده العلّامة السَّيِّد محمّد حسن ترحينيّ العامليّ بقوله: “إن وصل أمر ظلم الحاكم إلى حدّ تضعيف الإسلام وهدم قواعده وترويج الفسق والضّلال والكفر وتشييد أركانها، أو وصل إلى حدّ هدم حوزة المسلمين ومحو آثارها، فيجب على كلّ مسلم أمره بالمعروف ونهيه عن المنكر، فإن لم يرتدع فيجب إخراج السّلطنة من يده، ولو توقّف ذلك على قتاله، وتوقّف قتاله على تلف مال وإزهاق نفس، كلّ ذلك من باب الدّفاع عن الإسلام والمسلمين”.[1]
لكن هناك منطلقات نظريّة خارج إطار الفكر الشّيعيّ وتوجد ضوابط عامّة موضوعيّة يُعوَّل عليها أيضاً في المقام. سنكتفي بذكر بعض النُّصوص المأخوذة من كتابات جون لوك، والذي لا يخفى أنّه من أبرز الفلاسفة في القرن السّابع عشر ومن كبار المفكّرين السّياسيّين ومن مؤسّسي النّظريّة الدّستوريّة للدّولة، ولا تزال بصماته الفّكريّة ظاهرة على التَّصوُّرات الحاليّة للدّيمقراطيّة التّمثيليّة إلى يومنا هذا. وذلك من أجل بيان موقفه من مفهوم مقاومة السُّلطة ودحض شبهة عدم جريان مبدأ حقّ ردع المعتدي في التّعامل مع السُّلطة النّاقضة لعهودها والمُخلّة بواجباتها.
يقول لوك: “أمّا جواز ردع الأفراد أو الأجانب الذين يحاولون الاعتداء بالقوّة على ممتلكات أيّ جماعة من النّاس، فهذا أمرٌ متّفقٌ عليه بين الجميع؛ غير أنّ مقاومة الموظّفين العموميّين (magistrates) – [أو ذوي السُّلطة] – إذا فعلوا الشّيء نفسه قد أُنكرت في الآونة الأخيرة؛ وكأنّ الذين يتمتّعون بأعظم الامتيازات والمزايا بموجب القانون قد أُعطوا بذلك سلطة خرق تلك القوانين التي بها وحدها وُضعوا في منزلةٍ أعلى من سائر إخوانهم؛ مع أنّ جرمهم يكون بذلك أعظم، من حيث إنّهم جاحدون للنّصيب الأوفر الذي نالوه بمقتضى القانون، وكذلك لخرقهم الأمانة التي وُضعت في أيديهم من قبل إخوانهم”.[2]
ويقول أيضاً إنّ “كلّ من يستخدم القوّة بغير حقّ – كما يفعل كلّ إنسانٍ في المجتمع حين يمارس القوّة دون [تأييد] القانون – يضع نفسه في حالة حرب مع أُولئك الذين يستعملها ضدّهم، وفي تلك الحالة تُلغى جميع الرّوابط السّابقة، وتسقط سائر الحقوق، ويصبح لكلّ إنسانٍ الحقّ في أن يدافع عن نفسه وأن يقاوم المعتدي. وهذا أمرٌ جليٌّ إلى حدٍّ أن روبرت باركلي نفسه – ذلك المدافع الكبير عن سلطة المُلوك وقداستهم – يُضطرّ إلى الإقرار بأنّه يجوز للشّعب، في بعض الحالات، أن يقاوم ملكه، وذلك في فصلٍ يدّعي فيه أنّ الشّريعة الإلهيّة تمنع الشّعب من كلّ صنوف التَّمرُّد”.[3]
بل يشير لوك إلى بعض موجبات سقوط شرعيّة السُّلطة، بل مبرّرات إسقاطها من قِبل الشّعب، ذاكراً منها:
- عدم تمثيل السُّلطة لإرادة الشّعب: “إنّ تكوين السُّلطة المشرِّعة هو الفعل الأوّل والأساسيّ للمجتمع، الذي يُتّخذ فيه التّدبير لاستمرار اتّحادهم تحت توجيه أشخاصٍ وروابط وقوانين، يضعها أشخاصٌ مفوَّضون بذلك، بموافقة الشّعب وتعيينه؛ وبدون ذلك لا يمكن لأيّ فردٍ أو جماعةٍ منهم أن تكون لهم سلطة سنّ قوانين تكون مُلزمةً للباقين. فإذا ما تولّى فردٌ أو أكثر وضع قوانين دون أن يكون الشّعب قد فوّضهم بذلك، فإنّهم يضعون قوانين بلا سلطة، وبالتّالي لا يكون الشّعب مُلزَماً بطاعتهم؛ وبهذا يعود النّاس إلى حالة عدم الخضوع، ويجوز لهم أن يُنشئوا لأنفسهم سلطةً مشرِّعة جديدة كما يرونه أنسب، ويكونون في حُرِّيَّة تامّة لمقاومة القوّة التي يحاول بها من لا سُلطة لهم فرض شيءٍ عليهم”.[4]
- كون ممتلكاتهم وحُرِّيَّاتهم وحياتهم ودينهم أمام تهديد: “إذا كانت هذه الأفعال غير المشروعة قد امتدّت لتشمل أغلبيّة الشّعب، أو إذا كان الضّرر والاضطهاد قد أصابا قلّةً قليلة، ولكن في حالاتٍ يبدو أنّ سابقتها ونتائجها تُنذر بتهديد الجميع، وكان النّاس مقتنعين ضميريًّا بأنّ قوانينهم، ومعها ممتلكاتهم وحُرِّيَّاتهم وحياتهم، بل وربّما دينهم أيضاً، في خطر؛ فإنّي لا أرى كيف يمكن منعهم من مقاومة القوّة غير المشروعة المُستخدَمة ضدّهم”.[5]
- المظلوميّة في ظلّ توقُّف القانون أو التباسه: “إذا نشأ نزاعٌ بين الأمير وبعض أفراد الشّعب في مسألةٍ يكون القانون فيها صامتاً أو مُلتبساً، وكانت ذات شأنٍ عظيم، فإنّي أرى أنّ الحَكم المناسب في مثل هذه الحالة ينبغي أن يكون جسم الشّعب نفسه. إذ في الحالات التي يوضع قدر من الأمانة فيها عند الأمير، ويُستثنى من القواعد العامّة العاديّة للقانون، فإذا وجد بعض النّاس أنفسهم متضرّرين، ورأوا أنّ الأمير يتصرّف على خلاف تلك الأمانة أو يتجاوزها، فمَن الأجدر بالحكم مِن جماعة الشّعب (التي أودعت تلك الأمانة فيه ابتداءً) لتقرّر إلى أيّ حدٍّ أرادوا لها أن تمتدّ؟”[6]
وبالتّالي يؤكّد جون لوك جريان مبدأ حقّ ردع المعتدي في التّعامل مع السُّلطة انطلاقاً من خيانتها للأمانة بعدم حفاظها على شكل الحكم المُتّفق عليه وعدم السّعي إلى تحقيق الغاية من الدّولة ذاتها. ولهذا يصرّح بأنّه “إذا كان الملك قد خلع نفسه بنفسه، ووضع نفسه في حالة حرب مع شعبه، فما الذي يمنعهم من ملاحقته، وهو لم يعد ملكاً، كما يلاحقون أيّ رجلٍ آخر وضع نفسه في حالة حرب معهم؟”[7]
في الختام لا يفوتني ذكر توضيح مفاده أنّني لست بصدد دعوة أحد للثّورة من تلقاء نفسه، وليست هذه المقالة دعوة لإسقاط الحكم ولا أُطروحة غرضها بيان كيفيّة الثّورة، فهذان أمران يحتاجان إلى بحث مفصّل تقيِّده إحاطة كاملة بالاعتبارات الأمنيّة والسّياسيّة وغيرها، وهذا له أهله، كما تقيِّده ضوابط شرعيّة ليس هنا محلّ بحثها ولا شأن لمثلي في تشخيصها. كيف والثّورة عندنا غير مستثناة من فلسفة القيادة ولابُدِّيَّتها، وتعميم الرّوح الثّوريّة لا يقتضي التَّمرُّد على هذا الأصل. لكن لا شكّ أنّ أداء السُّلطة الحاليّة في لبنان فيه من مصاديق ما تقدّم ما يصعب إحصاؤه، ومع ذلك، فكلّما ذكرنا مسألة إسقاط الحكومة اعتبر البعض أنّ هذا موقف إيديولوجيّ محض، وهو فهم سطحيّ ينبئ عن جهل معيب.
فما هو على المحكّ ليس بتلك البساطة، بل كما يقول هاورد زين: “ما هو على المحكّ هو المبدأ الأساسيّ لنظريّة العقد الاجتماعيّ للحكم، كما صاغها جون لوك في رسالته الثّانية في الحكم وكما أُدرج في “إعلان الاستقلال” لتوماس جيفرسون: إنّ الحكومات تُنشأ بين النّاس لأهداف معيّنة؛ ومن بين هذه الأهداف الحياة والحُرِّيَّة والسّعي إلى السّعادة؛ وأنّه متى ما أصبحت الحكومة مُدمِّرة لهذه الأهداف، فإنّ من حقّ النّاس أن يغيّروها أو يُلغوها. فالحكومة ليست مرادفة لشعب الأُمّة؛ إنّها جهازٌ مصطنع أُقيم بواسطة المواطنين لأغراض محدّدة. وهي ليست مفعمة بأيّ هالة مقدّسة؛ بل على العكس، ينبغي مراقبتها، وتمحيصها، ونقدها، ومقاومتها، وتغييرها، بل وحتى إسقاطها واستبدالها عند الضّرورة”.[8]
[1] الحقّ والباطل، ص48
[2] Two Treatises of Government, n.231
[3] Ibid., n.232
[4] Ibid., n.212
[5] Ibid., n.209
[6] Ibid., n.242
[7] Ibid., n.239
[8] Disobedience and Democracy, p.118