الجنوب الذي أعاد تعريف الكرامة

منذ ولادة الكيان اللبناني الحديث، وُضعَ جنوب لبنان في قلب مشاريع العزل والإقصاء، لأنّ أهله كانوا دائماً رأسَ حربةٍ في رفض الهيمنة والخضوع للمخططات الصهيو-أميركيّة. عاش الجنوبيّون سنواتٍ طويلة تحت وطأة الاعتداءات والحرمان، وذاقوا مرارة النكبة الفلسطينية وتداعياتها، فيما كانت قراهم تنزف شهداء بصمتٍ ثقيل لا يسمعه أحد.

لكنّ ذلك الصمت لم يدم؛ فقد تحوّل مع الزمن إلى حالة مقاومة متجذّرة، استمدّت روحها من نهج الإمام روح الله الخميني (قدّه) الذي أعاد إحياء ثقافة العزّة ورفض الاستسلام. ومن هذا المسار خرج الشيخ راغب حرب (رض) ليعلن، بموقفه ودمه، أنّ التطبيع خيانة وأنّ «المصافحة اعتراف». ثم حمل الراية السيد عباس الموسوي(رض)، فجاب القرى يحفّز الناس على التمسّك بخيار المقاومة، تاركاً وصيّته الشهيرة بحفظها وصونها. وبعده جاء سيّد شهداء الأمّة السيد حسن نصر الله (قدّه) ليقود هذه المسيرة بثباتٍ طويل، حتى تحوّل الصبر والتضحيات إلى تحريرٍ تاريخي عام 2000، وترسّخت معادلة أنّ هذا الكيان، رغم قوّته الظاهرة، قابلٌ للهزيمة والانكسار.

لسنا دعاة حرب، ولا نبحث عن الموت أو الخراب، لكنّ الشعوب التي تُهدَّد في أرضها وكرامتها لا تملك ترف الاستسلام. لذلك أصبح الدفاع عن الأرض خياراً وجودياً لا مجرّد شعارٍ سياسي. ومعادلة الصمود لم تقم يوماً على الخطابات وحدها، بل على عنصرين أساسيين: الإيمان الذي يمنح القدرة على الثبات والصبر، والتمسّك بالسّلاح الذي يمنع العدو من فرض إرادته بالقوة.

وأجيال الجنوب اليوم ليست كالأجيال التي كانت تواجه المجازر بأيدٍ فارغة، حين كانت القرى تُقتحم ويُرمى الشهداء في الآبار. اليوم تبدّلت الظروف، واكتسب الشباب المقاوم خبراتٍ واسعة في مواجهة الحروب الحديثة، من الطائرات المسيّرة إلى التقنيات المتطورة، وأصبحوا يواكبون التحوّلات العسكرية العالمية ويستفيدون من كل تطورٍ لكسر تفوّق العدو وإرباكه.

لقد علّمتنا التجارب أنّ الشعوب التي تدافع عن كرامتها قد تخسر الكثير من التضحيات، لكنها لا تخسر نفسها. أمّا الاستسلام للمحتل، فلا ينتج سوى الذلّ وضياع الأرض والهوية.

لهذا، يبقى خيار الاستمرار في نهج المقاومة هو القرار الثابت؛ بلا تراجع ولا مساومة، وبإيمانٍ كامل بأنّ الحقوق لا تسقط مع الزمن. نحن لا ننفضُ غبارَ التاريخِ عن أمجادٍ حصلت في الماضي، بل ننظر إلى المستقبل بثقةٍ أكبر أنّ مشهد الفتحِ هو نفسهُ سيعود بسواعدِ أبناء الأرض. نعم، ارتقى قادةٌ وشهداء كثيرون على هذا الطريق، لكنّ الأجيال القادمة سترى نتائج هذه التضحيات، وستشهد تحوّلاتٍ كبرى تُسقط مشاريع الإلغاء والهيمنة، والأيام وحدها كفيلة بأن تكشف ما سيحمله المستقبل.

التعليقات مغلقة.