حين تتحول أدوات الحياة إلى أدوات قتل: عامان على تفجيرات البيجر

أيلول 17, 2026 جورج ملتقى 14 قراءة 1 دقائق قراءة

تمرّ الذكرى الثانية لتفجيرات أجهزة النداء واللاسلكي في لبنان، تلك الجريمة التي هزّت الضمير الإنساني قبل أن تهزّ المدن والبيوت. ففي يومي 17 و18 سبتمبر/أيلول 2024، تحولت أجهزة يفترض أن تكون وسيلة للتواصل إلى عبوات موت انفجرت بصورة متزامنة في مناطق لبنانية عدة، ولا سيما في الجنوب والضاحية الجنوبية لبيروت، موقعة شهداء وجرحى بين المدنيين، وبينهم أطفال ونساء وكبار في السن.

لم تكن المأساة في عدد الضحايا وحده، على فداحته، بل في طبيعة الوسيلة المستخدمة وفي الطريقة التي طالت بها الناس داخل بيوتهم، وفي الأسواق، وعلى الطرقات، وفي أماكن يفترض أن تكون آمنة. لقد دخل الخطر إلى الحياة اليومية من أضيق أبوابها: جهاز يحمله الإنسان في يده، أو يضعه قرب جسده، أو يستخدمه للاتصال بأسرته أو زملائه، فإذا به يتحول خلال لحظة إلى أداة إصابة وقتل.

وبحسب ما أعلنته السلطات اللبنانية وتقارير حقوقية وإعلامية، أدت الموجة الأولى إلى استشهاد 12 شخصًا، بينهم طفلان، وإصابة ما يقارب ثلاثة آلاف شخص، فيما وقعت في اليوم التالي موجة أخرى استهدفت أجهزة لاسلكية، وأسفرت عن مزيد من الشهداء والجرحى. وقد وثّقت منظمات حقوقية مخاوف جدية بشأن طبيعة الهجمات وآثارها على المدنيين، ودعت إلى تحقيق دولي مستقل يحدد المسؤوليات ويضمن محاسبة من أمر ونفذ وخطط لهذه العمليات.

جريمة تتجاوز لحظة الانفجار
إن قتل طفل في منزله أو في الطريق أو بين أفراد أسرته ليس «أثرًا جانبيًا» يمكن اختزاله في لغة البيانات العسكرية. الطفل ليس رقمًا في إحصائية، ولا تفصيلًا هامشيًا في معادلة أمنية. إنه حياة كانت في بدايتها، ووجهٌ صغير يحمل أحلام عائلة بأكملها، ومستقبل وطن كان يمكن أن يكون أكثر أمنًا وسلامًا.

وحين تصيب التفجيرات النساء وكبار السن والمدنيين الذين لا علاقة لهم بأي مواجهة، فإن الجريمة لا تطال فردًا واحدًا فقط، بل تضرب الأسرة والمجتمع في عمقهما. فالذين نجوا من الانفجار حملوا معهم جروحًا جسدية ونفسية، وفقد كثيرون أعينهم أو أطرافهم أو قدرتهم على ممارسة حياتهم الطبيعية. أما العائلات، فقد وجدت نفسها أمام ألم مضاعف: فقدان الأحبة من جهة، والخوف الدائم من أن يتحول أي جهاز أو وسيلة اتصال إلى مصدر خطر من جهة أخرى.

لقد تركت هذه التفجيرات أثرًا نفسيًا عميقًا في لبنان. فالأجهزة التي كانت مرتبطة بالاتصال والعمل والتنظيم أصبحت مرتبطة في ذاكرة الناس بالدم والصدمة. وقد احتاج المصابون وذووهم إلى أكثر من العلاج الطبي؛ احتاجوا إلى رعاية نفسية، وإلى تضامن اجتماعي، وإلى شعور بأن العدالة لم تُنسَ وأن دماء الضحايا ليست مادة عابرة في نشرات الأخبار.

استهداف المدنيين انتهاك لا يبرره شيء
في أوقات الحرب، قد تحاول الأطراف المتحاربة تقديم أفعالها في إطار الضرورات الأمنية أو العسكرية. غير أن القانون الدولي الإنساني يضع حدودًا واضحة: حماية المدنيين ليست خيارًا سياسيًا، ولا منّة من طرف على طرف، بل التزام قانوني وأخلاقي. ويحظر مبدأ التمييز استهداف المدنيين، كما يرفض الهجمات العشوائية التي لا تميز بين المقاتل وغير المقاتل، ويشدد على ضرورة التناسب واتخاذ الاحتياطات الممكنة لتقليل الضرر.

ومن هنا، فإن استخدام أجهزة مدنية قابلة للحمل في هجمات متزامنة داخل مناطق مأهولة يثير أسئلة خطيرة حول التمييز بين الأهداف، وإمكانية توقع وجود الأطفال والنساء وكبار السن في محيط الضحايا، ومدى اتخاذ التدابير الكفيلة بمنع إصابة الأبرياء. وهذه الأسئلة لا يمكن أن تُدفن تحت عبارات التبرير السياسي أو أن تُترك للتأويلات المتناقضة؛ بل تحتاج إلى تحقيق شفاف ومستقل، وإلى كشف الحقائق أمام الرأي العام.

فالعدالة لا تعني الانتقام، ولا تعني فتح أبواب دورة جديدة من الدم. العدالة تعني معرفة الحقيقة، وتحديد المسؤولية، وإنصاف الضحايا، وضمان عدم تكرار الجريمة. وكل تأخير في التحقيق أو محاولة لطمس الوقائع يضاعف معاناة الناجين ويمنح الإفلات من العقاب فرصة جديدة.

ذاكرة لا تختزل في الحزن
بعد عامين، لا تُستعاد هذه الذكرى من أجل إبقاء الجراح مفتوحة، بل من أجل حماية الحقيقة من النسيان. فالشعوب التي تنسى جرائم استهداف المدنيين تصبح أكثر عرضة لتكرارها، والمجتمعات التي تسمح بتحويل الضحايا إلى أرقام تفقد جزءًا من إنسانيتها.

إن تخليد ذكرى الضحايا يجب أن يكون عبر حفظ أسمائهم وقصصهم، وتوثيق شهادات المصابين، ورعاية ذويهم، وتأمين العلاج وإعادة التأهيل، ومساندة الأطفال الذين عاشوا تجربة الخوف والفقد. فالشهيد ليس رقمًا، والجريح ليس صورة عابرة، والعائلة المنكوبة لا تحتاج إلى التعاطف المؤقت فقط، بل إلى دعم مستمر يترجم المسؤولية الوطنية والإنسانية إلى أفعال.

وفي هذه الذكرى، يتقدم الحزن على الكلمات. هناك أمّ فقدت طفلًا، وأبٌ ينتظر عودة ابن لن يعود، وطفل كبر فجأة لأن عائلته أصيبت أمام عينيه، ومصاب يحاول أن يتعلم من جديد كيف يعيش بجسد تغير إلى الأبد. هؤلاء جميعًا يستحقون أن تُسمع أصواتهم، وأن يبقى حقهم في العدالة حاضرًا في الوجدان العام.

الكارثة لا تكسر إرادة الشعوب
لقد أثبت التاريخ أن القمع قد يفرض الصمت لبعض الوقت، لكنه لا يستطيع دائمًا أن يفرض النسيان. وقد تؤدي المجازر إلى نشر الخوف، لكنها قد تدفع الشعوب أيضًا إلى مزيد من التمسك بحقها في الحرية والكرامة والسيادة. فالإرادة الشعبية لا تُقاس بغياب الألم، بل بقدرة الناس على تحويل الألم إلى وعي، والوعي إلى صمود، والصمود إلى مشروع يحمي الوطن والإنسان.

ومع ذلك، فإن مقاومة الاحتلال والعدوان لا تعني التخلي عن قيمة الحياة، ولا تعني قبول استهداف المدنيين من أي جهة كانت. أقوى مقاومة هي التي تجمع بين حماية الناس، وصون الكرامة، والتمسك بالحق، ورفض تحويل الأبرياء إلى وقود للصراعات. فالغاية العادلة لا تبرر الوسائل التي تنتهك الإنسان، والحرية التي تُطلب لا ينبغي أن تُبنى على إنكار حرية الآخرين أو حقهم في الأمان.

لبنان بين الجرح والكرامة
يعيش لبنان منذ عقود على خط تماس مع أزمات وحروب واعتداءات متكررة. ومع ذلك، بقي اللبنانيون متمسكين بالحياة، يعيدون بناء بيوتهم ومدنهم، ويفتحون مدارسهم ومؤسساتهم، ويزرعون أرضهم، ويحمون ذاكرتهم من المحو. هذه القدرة على النهوض ليست دليلًا على أن الجراح بسيطة، بل دليل على أن الإنسان اللبناني يرفض أن يكون ضحية دائمة في رواية الآخرين.

إن ذكرى تفجيرات البيجر واللاسلكي يجب أن تكون مناسبة للتأكيد على جملة مبادئ لا يجوز التراجع عنها: حماية المدنيين، احترام القانون الدولي، رفض الاغتيال الجماعي، محاسبة المسؤولين، وتوفير الرعاية للضحايا والناجين. كما ينبغي ألا تتحول الذكرى إلى خطاب كراهية يستهدف الشعوب أو الأديان أو الجنسيات، بل إلى موقف واضح ضد الجريمة وسياسة الإفلات من العقاب أيًا كان مرتكبها.

فالذين استشهدوا في تلك الأيام لم يكونوا مجرد أسماء في خبر عاجل. كانوا أبناءً وآباء وأمهات وأطفالًا، وكانت لهم أحلام وبيوت وذكريات. ومن حقهم أن تبقى قصتهم حاضرة، لا لتكريس الحقد، بل لتأكيد أن حياة الإنسان ليست رخيصة، وأن المدنيين ليسوا أهدافًا مشروعة في أي صراع.

بعد عامين، ما زال الجرح حاضرًا، لكن الحضور الأقوى هو حضور الإرادة. قد تنفجر الأجهزة، وقد تنهار الجدران، وقد تملأ صور الضحايا الشوارع، لكن الشعوب التي تعرف حقها لا تنكسر بسهولة. إن العدوان يترك ندوبًا عميقة، غير أن هذه الندوب يمكن أن تتحول إلى ذاكرة مقاومة للظلم، وإلى تصميم على حماية الوطن، وإلى عهد بأن لا يمر قتل الأطفال والمدنيين بلا حقيقة ولا حساب.

وفي ذكرى ضحايا لبنان، تبقى الرسالة الأوضح: لا سلام بلا عدالة، ولا عدالة بلا حقيقة، ولا مستقبل آمنًا ما دام قتل المدنيين يُبرَّر أو يُنسى. ستبقى أسماء الضحايا شاهدة على الجريمة، وستبقى إرادة الشعب أقوى من الخوف، وأطول عمرًا من أدوات الموت.