من روما إلى باريس.. 12 عامًا من الوعود الدولية لدعم الجيش اللبناني

أيلول 17, 2026 نديم ناصر 13 قراءة 1 دقائق قراءة

لم يعد دعم الجيش اللبناني بندًا طارئًا على جدول أعمال الدول المعنية بلبنان.
منذ أكثر من عقد، تتوالى المؤتمرات والاجتماعات الدولية التي تبحث في كيفية مساعدة المؤسسة العسكرية اللبنانية، سواء عبر السلاح والمعدات، أو عبر التدريب، أو عبر التمويل المباشر منذ أن دخل لبنان في أزمته المالية، وصولًا إلى المرحلة الحالية التي بات فيها دعم الجيش مرتبطًا بصورة وثيقة بمهمته في الجنوب وبمستقبل قوات الأمم المتحدة العاملة في جنوب لبنان.

خلال السنوات تغيرت طبيعة المساعدات التي يتلقاها الجيش اللبناني. ففي عام 2014 كان الحديث عن تمكين الجيش من مواجهة التنظيمات المسلحة وضبط الحدود اللبنانية خلال الحرب السورية. أما اليوم، فيدور النقاش حول قدرة الجيش على الانتشار جنوبًا، وحماية الحدود، وتولي مسؤوليات أمنية أوسع، في وقت تقترب فيه ولاية قوة الأمم المتحدة المؤقتة في لبنان «اليونيفيل» من نهايتها الحالية.

لكن السؤال الذي يطرح نفسه بعد كل هذه السنوات هو: ماذا نتج فعلًا عن كل هذه المؤتمرات؟ وما الذي بقي في إطار الوعود والتعهدات؟

البداية.. مجموعة الدعم الدولية

في 25 أيلول 2013 أُنشئت «مجموعة الدعم الدولية للبنان» على هامش اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة في نيويورك، في وقت كان لبنان عرضة للتداعيات المباشرة للأحداث السورية، من تدفق اللاجئين إلى الضغوط الاقتصادية والأمنية.

كانت المجموعة مخصصة لدعم المؤسسات الأمنية اللبنانية، وفي مقدمتها الجيش اللبناني. وفي 5 آذار 2014، عُقد اجتماع وزاري لمجموعة الدعم في باريس، وكان من بين أهدافه البحث في كيفية مساعدة لبنان على مواجهة الضغوط الأمنية المتزايدة. وكان ذلك تمهيدًا لتحرك دولي أكثر تحديدًا سيظهر بعد ثلاثة أشهر في روما.

كان الوضع الأمني في تلك الفترة يتدهور على الحدود اللبنانية-السورية، وكانت الدولة اللبنانية تواجه خطر انتقال تداعيات الحرب السورية إلى الداخل.

روما 2014.. أول مؤتمر دولي كبير لدعم الجيش

في 17 حزيران 2014، اجتمعت في العاصمة الإيطالية روما عشرات الدول والمنظمات في مؤتمر مخصص بصورة مباشرة لدعم القوات المسلحة اللبنانية. وقد شارك في المؤتمر 43 دولة وهيئة دولية وإقليمية، وكان الهدف مساعدة الجيش اللبناني على تطوير قدراته، ولا سيما في مواجهة الإرهاب وضبط الحدود ومواجهة تداعيات الحرب السورية.

وتمثّلت أهمية المؤتمر في أنه وضع دعم المؤسسة العسكرية ضمن إطار دولي منظم ومستمر، بدل أن يبقى مجرد مساعدات ثنائية تقدمها بعض الدول. ومن نتائج المؤتمر المهمة الإيطالية MIBIL التي بدأت العمل في لبنان عام 2015، وأصبحت إحدى قنوات التدريب وبناء القدرات في الجيش اللبناني.

ثلاثة مليارات دولار من السعودية
كانت الرياض، قبل مؤتمر روما، قد أعلنت في نهاية 2013 عن هبة بقيمة ثلاثة مليارات دولار مخصصة لتسليح الجيش اللبناني من فرنسا. وكانت الصفقة، في حال تنفيذها ستشكل تحولًا كبيرًا في قدرات الجيش، خصوصًا أن قيمتها كانت ضخمة مقارنة بحجم الموازنات العسكرية اللبنانية. وبعد معارك عرسال عند الحدود اللبنانية-السورية في صيف 2014، أُعلنت مساعدة سعودية إضافية بقيمة مليار دولار لدعم الجيش والأجهزة الأمنية.

لكن البرنامج السعودي توقف لاحقًا، بسبب الخلاف السياسي بين لبنان والسعودية، قبل أن يعود الحديث عن إحيائه إلى الواجهة بعد سنوات.

روما مرة ثانية.. من المساعدات إلى خطة طويلة الأمد

في 15 آذار 2018 عقد مؤتمر «روما 2» لدعم القوات المسلحة اللبنانية وقوى الأمن الداخلي، بمشاركة 41 دولة.

واختلف هذا المؤتمر عن مؤتمر 2014 في نقطة أساسية، إذ لم يعد الهدف مجرد تأمين مساعدات عاجلة، بل وضع خطة تمتد خمس سنوات لبناء قدرات الجيش والقوى الأمنية.

ركزت الخطة على التدريب، وحماية الحدود، ومكافحة الإرهاب، وتطوير المؤسسات الأمنية، وتعزيز التعاون مع الدول والجهات الدولية.

أيضًا، أعلنت المفوضية الأوروبية عن حزمة بقيمة 50 مليون يورو لدعم القطاع الأمني اللبناني حتى عام 2020، فيما أعلنت بريطانيا عن مساعدات للجيش بقيمة 13 مليون دولار. لكن انهيار العملة اللبنانية عام 2019، أدى إلى تراجع قيمة رواتب العسكريين بصورة كبيرة، وارتفعت كلفة الوقود والغذاء والصيانة والطبابة، فلم تعد مشكلة الجيش اللبناني تقتصر على الأسلحة والمعدات، وأصبحت المشكلة الأساسية كيفية الحفاظ على قدرة الجيش على العمل.

في 21 أيار 2021 عقدت الولايات المتحدة ولبنان أول مؤتمر للموارد الدفاعية، ركز على احتياجات الجيش بعيدة المدى، وأعلنت واشنطن رفع تمويلها العسكري الخارجي للبنان في السنة المالية 2021 إلى 120 مليون دولار. وفي عام 2022 أعادت الولايات المتحدة توجيه 72 مليون دولار من أموال المساعدات لمساعدة الجيش وقوى الأمن في مواجهة أزمة الرواتب.

وهكذا انتقل الدعم من بناء قدرات الجيش اللبناني إلى منع انهياره، والمجتمع الدولي الذي كان يبحث قبل سنوات عن أفضل منظومة تسليح للجيش أصبح يبحث عن كيفية إبقاء العسكري في الخدمة، وتأمين الوقود والطعام والطبابة ووسائل التشغيل الأساسية.

باريس 2024.. الجيش يدخل مجددًا في صلب التسوية الأمنية

مع العدوان “الإسرائيلي” على لبنان في عام 2024، عاد الجيش إلى الواجهة الدولية بقوة. واستضافت باريس24 تشرين الأول 2024 مؤتمرًا دوليًا لدعم لبنان، شاركت فيه نحو 70 دولة ومنظمة دولية. ولم يكن المؤتمر مخصصًا للجيش وحده، فقد كان جانب كبير منه يتعلق بالمساعدات الإنسانية، لكن دعم القوات المسلحة كان أحد الملفات الرئيسية. وخرج المؤتمر بتعهدات بلغت نحو مليار دولار، منها نحو 800 مليون دولار للمساعدات الإنسانية و200 مليون دولار للقوات المسلحة اللبنانية.

وهنا، أصبح الحديث عن زيادة عديد الجيش، وتمكينه من الانتشار في الجنوب، وتأمين الوقود والمعدات والرعاية الصحية، بحيث يصبح قادرًا على تولي مسؤوليات أكبر في المناطق التي تنتشر فيها الدولة اللبنانية. وطُرحت خطة لزيادة عديد الجيش بنحو 6 آلاف عسكري، وتعزيز انتشاره في الجنوب.

الهبة السعودية من جديد

مع انتخاب العماد جوزاف عون رئيسًا للجمهورية في كانون الثاني 2025، عاد ملف الهبة السعودية القديمة إلى الواجهة. وفي 28 شباط 2025 أعلن عون أنه سيطلب من المملكة العربية السعودية إعادة تفعيل الهبة التي تبلغ قيمتها ثلاثة مليارات دولار. لكن إعلان الرغبة في إعادة تفعيل الهبة لا يعني وصول الأموال أو تنفيذ الصفقة.

مؤتمر باريس الذي لم يُعقد

كان من المفترض في 5 آذار 2026 انعقاد مؤتمر دولي في باريس لدعم الجيش اللبناني وقوى الأمن الداخلي. وكان الهدف جمع دعم جديد للجيش في مجالات المعدات والتدريب والتمويل وبناء القدرات. لكن المؤتمر لم ينعقد بسبب العدوان الأميركي-“الإسرائيلي” على إيران والعدوان “الإسرائيلي” الجديد على لبنان.

اجتماع القاهرة

قبل الموعد الذي كان مقررًا عقده في باريس، عُقد في القاهرة في 24 شباط 2026 اجتماع تحضيري بشأن دعم الجيش وقوى الأمن الداخلي. وكان واضحًا أن النقاش لم يعد يدور حول المعدات فقط، فقد أصبح دعم الجيش مرتبطًا بصورة مباشرة بزيادة قدرات الجيش، وتعزيز انتشاره، وتثبيت سلطة الدولة على السلاح.

باريس 2026.. الجيش أمام مهمة مختلفة

اليوم، 17 أيلول 2026 ، ستستضيف باريس اجتماعًا تحضيريًا جديدًا لدعم الجيش اللبناني وقوى الأمن الداخلي، بمشاركة لبنان وفرنسا والأردن. ولا يمثل الاجتماع المؤتمر الدولي النهائي، وإنما يأتي في إطار التحضير له.

وبحسب الفرنسيين، يفترض أن يبحث الاجتماع في الوضع الأمني في لبنان، وأن يتيح للجيش وقوى الأمن عرض احتياجاتهما، وأن يساعد في تنسيق المساعدات الدولية. وتشمل الاحتياجات المعدات واللوجستيات والتدريب والموارد الضرورية لتمكين الجيش من القيام بالمهام الملقاة على عاتقه.

لكن أهمية اجتماع 2026 تتجاوز موضوع المعدات، فالجيش اللبناني يقف أمام مرحلة مختلفة: مسؤوليات أكبر في الجنوب، وحاجة إلى زيادة قدراته البشرية واللوجستية، ونقاش دولي حول مستقبل الوجود الدولي في لبنان مع اقتراب نهاية الولاية الحالية لليونيفيل في 31 كانون الأول 2026.

وهذا يجعل مؤتمر الدعم المقبل مختلفًا عن المؤتمرات السابقة، لأن المطلوب هذه المرة ليس فقط مساعدة الجيش على البقاء، وإنما تمكينه من أداء دور أكبر في ترتيبات الأمن والسيادة داخل لبنان.

ماذا نتج عن كل هذه المؤتمرات؟

حصل الجيش اللبناني نتيجة ما ذكرناه من مؤتمرات على أسلحة ومعدات، وتلقى تدريبات واسعة، واستفاد من برامج دولية لبناء القدرات، كما تلقى دعمًا مباشرًا خلال الأزمة المالية لتأمين الرواتب والوقود والاحتياجات التشغيلية. لكن هذه المؤتمرات لم تحسم مشكلة الجيش التي كانت تتغير باستمرار، ففي البداية كان الجيش يحتاج إلى السلاح، ثم احتاج إلى التدريب وبناء القدرات، وبعد الأزمة المالية احتاج إلى الرواتب والوقود والصيانة، وبعد حرب 2024 صار يحتاج إلى زيادة عديده وتعزيز انتشاره في الجنوب، والمطلوب منه اليوم أن يكون قادرًا على تحمل مسؤوليات أمنية وسيادية أكبر في مرحلة يُعاد فيها رسم دور الدولة في الجنوب.

ويبقى الحديث عن الفارق بين التعهدات الدولية وبين ما يتحول فعليًا إلى قدرات مستدامة. فالهبات الكبيرة لا تكفي إذا توقفت، والمعدات لا تكفي إذا لم تتوافر لها الصيانة والذخيرة والتدريب، والجيش لا يستطيع الاستمرار إذا بقي تمويله التشغيلي مرتبطًا بالمساعدات الخارجية.

وفي النهاية، يجيء دور السؤال الأكبر، والمشكلة الأساسية التي لها التأثير الكبير على دور الجيش اللبناني في المستقبل: كل المؤتمرات المذكورة أعلاه مهمة، وجيدة، وتسد بعض حاجات الجيش، لكن هل سيُسمح للجيش بالتزود بالسلاح الذي يمكّنه من مواجهة العدو “الإسرائيلي”؟ ما لم يُسمح للجيش بهذا فإن كل المؤتمرات لن تحل قضية لبنان الأساسية: الاحتلال والأطماع “الإسرائيلية” في لبنان أرضًا وخيرات.