السابع عشر من أيلول… حين أُطفئت العيون ولم تنطفئ البصيرة

أيلول 17, 2026 د. أكرم شمص 18 قراءة 1 دقائق قراءة

قبل هذا اليوم، السابع عشر من أيلول، كان كثيرون يعيشون تفاصيلهم الصغيرة من دون أن يعرفوا أنها ستصبح بعد ساعات أثمن ذكريات العمر.

أبٌ ينظر إلى طفله قبل أن ينام، وزوجٌ يحفظ بعينيه ملامح زوجته، وشاب يرى وجه أمّه وأبيه، ورجل ينظر من نافذته إلى السماء، ولا يخطر في باله أن هذا المشهد قد يكون آخر مشهد للسماء.

ثم جاء السابع عشر من أيلول 2024. في لحظات، انفجرت آلاف أجهزة البيجر المفخخة في أنحاء مختلفة من لبنان. لم تنفجر في ساحة عسكرية مغلقة، بل كانت الأجهزة مع أشخاص يتحركون في بيوت ومتاجر وشوارع وأماكن عمل، وبين عائلات ومدنيين. خلّفت العملية الإسرائيلية الغادرة، في ذلك اليوم وحده، اثني عشر شهيدًا بينهم طفلان، وأكثر من 2750 جريحًا، ثم ارتفع العدد الإجمالي، مع انفجار أجهزة اللاسلكي في اليوم التالي، إلى نحو 42 شهيدًا وما بين 3500 و4000 جريح. وبين الضحايا أطفال ومدنيون.

ولكن الأرقام، مهما بلغت، لا تروي المأساة. وكيف يمكن لرقم أن يخبرنا عن أبٍ كانت آخر صورة احتفظت بها عيناه صورة طفله؟ وكيف يستطيع رقم أن يشرح معنى أن يكبر هذا الطفل سنةً بعد سنة، ويتغير وجهه وصوته وطوله، بينما يبقى في ذاكرة أبيه كما كان في السادس عشر من أيلول: طفلًا صغيرًا يبتسم؟ وكيف تشرح الإحصاءات معنى يدٍ كانت تمسك بيد طفل في الطريق، وتمسح دمعةً عن وجهه، وتربّت على كتف أم، ثم غابت في لحظة؟

لقد كانت إصابات العيون والوجه والأطراف من السمات البارزة للهجوم؛ فبحسب بيانات وزارة الصحة اللبنانية، فقد نحو ثلاثمئة مصاب العينين الاثنتين، وفقد نحو خمسمئة آخرين عينًا واحدة، إضافة إلى شظايا استقرت في الوجوه والأدمغة، وأصابع وأكفّ بُترت بالكامل.

ولهذا لم يكن السابع عشر من أيلول مجرد يوم في روزنامة الحرب. كان يومًا تغيّر فيه تعريف الضوء عند آلاف العائلات. فمن فقد بصره لم يفقد مجرد القدرة على الرؤية؛ لقد أصبحت بعض الوجوه التي يحبها ثابتةً في ذاكرته عند عمرها الأخير. قد يصبح الطفل شابًا، لكن أباه سيظل يراه طفلًا، وقد تشيب الزوجة، لكن صورتها في عيني زوجها ستبقى كما كانت في آخر نظرة.

هذه ربما أقسى صور الجرح: أن يستمر الزمن أمامك، بينما تتوقف صورة أحبّتك في ذاكرتك عند اللحظة الأخيرة التي رأيتهم فيها.

ومع ذلك، لم تكن الحكاية حكاية جراح فقط. وبعد عام من الهجوم، وثّقت تقارير أن بعض الناجين عادوا إلى أعمالهم وحياتهم، وأن بعض المصابين عادوا حتى إلى الميدان خلال الحرب التي تلت الهجوم. إنها حقيقة تضيف إلى المشهد مفارقة قاسية: العملية التي كان يُراد منها إخراج رجال من المعركة لم تُنهِ بالضرورة أدوار جميع من أصابتهم.

وهنا تستدعي الذاكرة كربلاء. ليس لأن الجراح تتشابه في تفاصيلها، بل لأن الذاكرة العاشورائية في الوجدان الشيعي جعلت من الجسد المجروح سؤالًا عن الإرادة: ماذا يبقى من الإنسان حين يفقد بعض ما كان يستند إليه؟ وتأتي صورة أبي الفضل العباس. ففي الذاكرة الحسينية، حين سقطت الكف لم تسقط الراية، لأن الراية لم تكن معلّقة بالكف وحدها؛ كانت معلّقة بالموقف. ومن هنا يمكن فهم الصورة التي رسخت عند كثير من جرحى البيجر: قد تُصاب العين ولا تُصاب البصيرة، وقد تغيب الكف ولا تغيب الإرادة.

ليس في ذلك إنكارًا للألم. فالوجع حقيقي، والإعاقة حقيقية، والعمليات الجراحية والعلاج الطويل حقيقة يومية يعيشها المصابون وعائلاتهم. وبعد عام من الهجوم، وثقت رويترز حالات لناجين ما زالوا يخضعون لسلسلة طويلة من العمليات؛ بينهم من فقد معظم بصره وأصابع من يده. ولكن الثبات لا يعني ألا تتألم، الثبات أن تتألم ثم تحاول أن تعيش، وأن تفقد عينًا وتعود إلى مدرستك، وأن تفقد أصابع وتتعلم كيف تمسك الأشياء من جديد، وأن تستيقظ كل صباح أمام مرآة تغيّر فيها وجهك، ثم تقرر أن الجرح لن يكون تعريفك الوحيد.

وبعد عامين تقريبًا، وثقت رويترز قصة الفتى علي عباس، الذي فقد عينه اليمنى وبعض أصابعه، ثم عاد إلى المدرسة والرياضة وحياته اليومية، معتبرًا أن إصابته لا تنتقص من هويته وأن لكل إنسان دورًا في الحياة.

أما من الناحية القانونية، فقد تجاوز الجدل توصيفات الأطراف المتحاربة. فقد أعلنت المفوضية السامية لحقوق الإنسان في الأمم المتحدة أن الاستهداف المتزامن لآلاف الأفراد، من دون معرفة من يحمل الجهاز ولا أين يوجد ولا من حوله وقت الانفجار، ينتهك القانون الدولي لحقوق الإنسان، وطالبت بتحقيق مستقل وشفاف ومحاسبة المسؤولين. كما رأى مقررون أمميون خاصون أن العملية قد ترقى إلى مستوى جريمة حرب، خصوصًا أنها لم تميّز بين مدنيين ومقاتلين وخالفت الحظر الدولي على الأفخاخ المتفجرة. ويزيد من وطأة هذا التوصيف أن الأجهزة نفسها كانت قد صُنعت وفُخخت ضمن مخطط امتد أشهرًا طويلة قبل تفجيرها، ما يرجّح فرضية سبق الإصرار.

ثم جاءت صورة ربما تختصر الكثير من المفارقة السياسية والأخلاقية. ففي الرابع من شباط 2025، دخل بنيامين نتنياهو البيت الأبيض والتقى الرئيس الأميركي دونالد ترامب، وهناك قدّم له هدية غير عادية: بيجرًا ذهبيًا. وقتها قال نتنياهو إن الهدية ترمز إلى ما اعتبره التفوق التكنولوجي الإسرائيلي. وحملت اللوحة المرافقة إهداءً لترامب بوصفه «أعظم صديق وأعظم حليف». ونقلت تقارير عن ترامب وصفًا إيجابيًا للعملية عند تلقي الهدية. فالشيء الذي يعني، بالنسبة إلى ناجٍ لبناني، اللحظة التي غاب فيها نور عينيه، تحوّل في لقاء سياسي إلى هدية مذهبة. وهنا تصبح المسافة هائلة بين صورتين: بيجر ذهبي على مكتب في واشنطن، وبيجر آخر بقيت شظاياه في وجه إنسان في لبنان.

هناك هدية تُعرض، وهنا أبٌ يمد يده إلى وجه طفله ليتعرف إلى الملامح التي لم تعد عيناه قادرتين على رؤيتها.
وهناك حديث عن «عملية عظيمة»، وهنا أمّ تتذكر أن ابنها كان يرى وجهها بالأمس، ثم صار يعرف حضورها من صوتها.

ولعل التاريخ، حين يكتب السابع عشر من أيلول، لن يتوقف فقط عند الاختراق الأمني ولا عند التقنية التي أخفت المتفجرات داخل جهاز صغير. سيكتب عن الإنسان الذي حمل آثار ذلك اليوم في عينيه ويديه ووجهه وحياته. وسيسجل أيضًا أن بعض الذين أُريد لهم أن يخرجوا من الحياة العامة أو من الميدان حاولوا العودة إليهما رغم إصاباتهم.

وهنا تعود كربلاء مرة أخرى، لا بوصفها تشبيهًا حرفيًا للحدث، بل باعتبارها ذاكرةً للثبات عند الجرح: من الحسين تعلّموا أن الدم لا يعني نهاية الطريق.

وقد تمر السنوات، وسيكبر طفلٌ كان أبوه يراه صغيرًا في السادس عشر من أيلول 2024، وسيصبح شابًا، وربما يصبح أبًا هو الآخر. وسيأتي يوم يجلس فيه أمام أبيه، فيسمع الأب صوت رجل، ثم يمد يده باحثًا عن وجهه، ويتحسس ملامح لم ترها عيناه وهي تكبر. عندها فقط سنفهم شيئًا من معنى ذلك اليوم. لقد كبر الابن في الحياة، ولكنه في آخر صورة احتفظت بها عينا أبيه، سيبقى ذلك الطفل الصغير إلى الأبد.

وهنا، ربما، تكون الصورة الأرسخ: عينٌ فقدت نورها، لكنها ما زالت تحمل آخر وجه رأته، وكفٌّ غابت، لكن الراية التي كانت تحملها لم تكن يومًا قطعة قماش تمسكها الأصابع، كانت موقفًا يحمله القلب.