بين الثبات السياسي وواقعية الحوار… لماذا لا يشكل موقف الشيخ نعيم قاسم تحولاً في سياسة حزب الله؟

آب 4, 2026 نديم ناصر 8 قراءة 1 دقائق قراءة

أثارت تصريحات الأمين العام لحزب الله الشيخ نعيم قاسم، التي أبدى فيها استعداد الحزب لعقد لقاء علني مع القيادة السورية إذا كان ذلك يخدم مصلحة البلدين، كثيراً من التعليقات التي ذهبت إلى اعتبارها تحولاً في موقف الحزب من السلطة الجديدة في دمشق. غير أن العودة إلى المسار السياسي للحزب خلال العقود الماضية تظهر أن هذه القراءة تتجاهل جانباً أساسياً من فلسفة حزب الله في إدارة علاقاته الإقليمية.

فمنذ تسعينيات القرن الماضي، اعتمد الحزب مقاربة تقوم على حصر الصراع الأساسي مع الاحتلال الإسرائيلي، وتجنب فتح جبهات إضافية مع الأنظمة العربية، حتى عندما كانت الخلافات معها عميقة أو عندما كانت هذه الأنظمة جزءاً من التحالف الأميركي في المنطقة. وقد انتقد الحزب سياسات عدد من الحكومات العربية، لكنه في المقابل حرص على إبقاء قنوات التواصل مفتوحة، إدراكاً منه أن الخلاف السياسي لا يستوجب بالضرورة القطيعة أو المواجهة.

ولم يكن هذا النهج مجرد خيار تكتيكي فرضته ظروف معينة، بل أصبح جزءاً من رؤية سياسية متكاملة تقوم على تجنب استنزاف قوى المقاومة في صراعات داخلية أو جانبية، لأن المستفيد الأول من أي اقتتال عربي أو إسلامي يبقى إسرائيل، التي طالما سعت إلى نقل أولويات المنطقة من مواجهة الاحتلال إلى الانشغال بالنزاعات الداخلية.

ولهذا السبب، لم يكن غريباً أن يدعو السيد حسن نصر الله، في أكثر من محطة، إلى اعتماد الحلول السياسية والحوار الداخلي في الدول العربية، حتى في الحالات التي شهدت مواجهات دموية وأزمات معقدة. فقد كان يرى أن إسقاط الأنظمة بالقوة المسلحة لا يقود بالضرورة إلى الاستقرار، وأن كلفة الحروب الأهلية غالباً ما تكون أكبر من كلفة التسويات السياسية، مهما كانت صعبة.

ومن هذا المنطلق، تبدو تصريحات الشيخ نعيم قاسم امتداداً لهذا النهج أكثر مما تبدو خروجاً عليه. فهو لم يتحدث عن تجاوز الخلافات أو تجاهل التجارب السابقة، بل عن الاستعداد للحوار إذا توافرت الظروف المناسبة وكان ذلك يصب في مصلحة لبنان وسوريا.

فالسياسة لا تقوم على الثقة المطلقة، وإنما على اختبار النيات وإدارة المصالح. وعندما يعلن طرف ما استعداده لفتح صفحة جديدة، لا يصبح الطرف المقابل ملزماً بتصديقه، لكنه لا يكون مضطراً أيضاً إلى رفض الحوار مسبقاً. فالحوار في هذه الحالة ليس تنازلاً، بل وسيلة لاختبار إمكانية الانتقال من مرحلة الصدام إلى مرحلة أكثر استقراراً، إذا توفرت الشروط اللازمة لذلك.

وفي المقابل، فإن تصريحات الرئيس السوري أحمد الشرع، التي أبدى فيها استعداده للجلوس مع حزب الله إذا كان ذلك يخدم مصلحة البلدين، تعكس إدراكاً مشتركاً بأن استمرار التوتر بين لبنان وسوريا لا يخدم أياً منهما، خصوصاً في ظل التحديات الأمنية والاقتصادية التي تواجه المنطقة.

ومن يراجع أدبيات حزب الله يلاحظ أن الحزب لم يتبنَّ يوماً فكرة العداء الدائم مع الدول أو الأنظمة، بل كان يؤكد باستمرار أن الصراع الوجودي الوحيد هو مع إسرائيل، باعتبارها قوة احتلال. أما بقية الخلافات، مهما بلغت حدتها، فهي تبقى قابلة للمعالجة السياسية متى توفرت الإرادة لذلك.

لذلك، فإن تصوير موقف الشيخ نعيم قاسم على أنه تراجع أو تبدل في الثوابت يبدو أقرب إلى قراءة مجتزأة منه إلى توصيف دقيق. فما طرحه ينسجم مع سياسة اعتمدها الحزب منذ سنوات طويلة، تقوم على تقليل ساحات الاشتباك، ومنح الأولوية للحوار كلما كان قادراً على حماية الاستقرار، من دون أن يعني ذلك التخلي عن المواقف أو الثوابت السياسية.

وفي منطقة لم تنتج فيها الحروب سوى مزيد من الدمار والانقسام، قد يكون الحوار، حتى بين الخصوم، خياراً أكثر واقعية من الإصرار على القطيعة الدائمة. أما نجاح هذا الحوار أو فشله، فسيبقى رهناً بما ستقدمه الوقائع على الأرض، لا بما يعلنه كل طرف في خطاباته السياسية.