يأتي أربعون الإمام الحسين عليه السلام هذا العام مختلفًا، ليس لأن الطريق إلى كربلاء تبدّل، ولا لأن الرايات التي عرفها الزائرون غيّرت ألوانها، بل لأن القلوب التي تمشي تحتها تحمل هذه المرة غيابًا كبيرًا. يأتي الأربعون والسيد علي الخامنئي شهيد، بعد عقودٍ كان فيها حاضرًا في الوعي العاشورائي، يستحضر كربلاء بوصفها منهجًا للأمة، لا حادثةً بعيدة في التاريخ.
لذلك، لم يكن ممكنًا أن تمضي مواكب الأربعين هذا العام من دون أن يمر اسمه بينها، أو أن تُرفع رايات الحسين من دون أن تستعيد الذاكرة رجلًا جعل من عاشوراء لغةً للموقف، ومن مقاومة الهيمنة امتدادًا لمعنى «هيهات منا الذلة».
لقد جاء هذا الموسم والمنطقة خارجة من أشهرٍ قاسية؛ حربٌ امتدت نيرانها إلى أكثر من ساحة، مدنٌ جُرحت، بيوتٌ هُدمت، عائلاتٌ هُجّرت، وشهداء تركوا فراغًا لا تملؤه الكلمات. وجاء استشهاد السيد الخامنئي ليضيف إلى هذا المشهد خسارة قائدٍ ارتبط اسمه بمواجهة المشروع الأميركي والإسرائيلي، وبالدفاع عن قوى المقاومة في المنطقة.
لهذا لم تعد المسافة إلى كربلاء هذا العام مجرد طريقٍ يقطعه الزائر برجليه، بل صارت طريقًا يعبر بها فوق أوجاع عامٍ كامل.
كان الزائر يمشي وفي قلبه غزة، ولبنان، وإيران، وكل بقعةٍ مسّتها الحرب. يحمل أسماء الشهداء في دعائه، ويمر أمام صور السيد الخامنئي مستعيدًا مشاهد تشييعه، وكأن الطريق جمع أربعين الحسين بأربعين شهداء العصر؛ جمع المصيبة الأولى بما توالد منها من مواقف وتضحيات عبر القرون.
ولعلّ خصوصية هذا الأربعين أنه لم يأتِ بعد انتصارٍ مكتمل ولا بعد هدوءٍ مستقر، بل جاء والمنطقة ما تزال واقفة أمام تحدياتها الكبرى. ما زالت احتمالات الحرب حاضرة، والضغوط السياسية والاقتصادية مستمرة، ومحاولات تفكيك ساحات المقاومة وعزلها عن بعضها لم تتوقف.
في مثل هذا الزمن، يصبح المشي إلى الحسين أكثر من طقسٍ ديني. يصبح إعلانًا بأن الخوف لن يقطع الطريق، وأن استهداف القادة لا يقتل الفكرة، وأن الأمة التي تعرف كيف تحفظ أسماء شهدائها تعرف أيضًا كيف تستمر بعدهم.
إن استشهاد السيد الخامنئي ألقى بظله على الأربعين، لكنه لم يجعل المناسبة محكومة بالحزن وحده. فالحزن في مدرسة الحسين ليس نهاية الطريق، بل بدايته. والدمعة ليست انسحابًا من المواجهة، بل تطهيرٌ للقلب ليعود أكثر استعدادًا لتحمّل المسؤولية.
وهنا يلتقي معنى الأربعين بمعنى المقاومة.
فالأربعون هو عودة الذاكرة بعد محاولة محوها، والمقاومة هي بقاء الإرادة بعد محاولة كسرها. الأربعون يقول إن الحسين لم ينتهِ في عاشوراء، والمقاومة تقول إن الشهيد لا يغادر حين يسقط جسده، بل يتحول حضوره إلى عهدٍ في أعناق الباقين.
يأتي الأربعون هذا العام ليقول إن المنطقة، رغم جراحها، لم تُهزم في روحها، وإن الشهادة، مهما كانت موجعة، لا تترك الطريق فارغًا، بل تضع أمام السائرين مسؤوليةً أكبر: أن يتحول الحب إلى موقف، والحزن إلى وعي، والزيارة إلى عهد.
لقد سار السيد الخامنئي قدس الله سره طويلًا تحت راية الحسين، واليوم يسير محبّوه إلى كربلاء وهم يحملون ذكراه. وبين الشهيد الأول في كربلاء وشهداء هذا الزمن، يبقى النداء واحدًا:
أن لا تُترك راية الحق وحيدة،
وأن لا ينتهي الطريق بغياب الرجال،
وأن تظلّ الأمة، مهما اشتدت عليها المحن، قادرةً على أن تقول: نحن لم نأتِ إلى الأربعين لنستذكر الماضي فقط…