لبنان بين مسار التسوية القسرية واحتمالات إعادة إنتاج الصراع

سقوط المنطقة الرمادية في الداخل اللبناني
ما يجري اليوم في لبنان لم يعد مجرد خلاف سياسي حول إدارة الدولة أو مقاربة ملف المقاومة، بل بات يعكس انقسامًا عموديًا واضحًا بين مشروعين متناقضين في فهم الهوية الوطنية ووظيفة الدولة وموقع لبنان في الإقليم.

المرحلة الحالية تكشف أن المنطقة الرمادية التي حاولت السلطة السياسية الاختباء خلفها منذ اتفاق وقف إطلاق النار بدأت تتآكل تدريجيًا، مع انتقال الخطاب الرسمي من محاولة “إدارة التوازن” إلى تبني خطاب أكثر وضوحًا حول حصرية السلاح وقرار الحرب والسلم وإعادة تعريف مفهوم السيادة وفق الرؤية الأميركية ـ الغربية.

في المقابل، ترى بيئة المقاومة أن هذا المسار لا يُقرأ كخيار سيادي داخلي مستقل، بل كجزء من مشروع إقليمي هدفه تفكيك عناصر القوة اللبنانية وتحويل لبنان إلى ساحة منزوعة القدرة على الردع.

من وقف إطلاق النار إلى محاولة إنتاج مسار سياسي جديد
المؤشرات السياسية والإعلامية المتراكمة منذ تفاهمات تشرين الثاني 2024 توحي بأن الهدف لم يعد محصورًا بوقف العمليات العسكرية، بل يتجاوز ذلك نحو محاولة فرض مسار سياسي ـ أمني طويل الأمد يعيد صياغة الواقع اللبناني.

فالضغط المتواصل حول سلاح المقاومة، ومفهوم الشرعية، والتنسيق الأمني، وتعديل القوانين المرتبطة بالعلاقة مع العدو الإسرائيلي، يكشف أن هناك محاولة لنقل لبنان تدريجيًا من مرحلة “إدارة الصراع” إلى مرحلة “إدارة التسوية”.

غير أن المعضلة الأساسية تكمن في أن هذا المسار يجري بينما لا تزال الاعتداءات الإسرائيلية مستمرة، والتوسع الميداني قائمًا، والانتهاكات اليومية قائمة، ما يضعف أي سردية تتحدث عن تسوية متوازنة أو سلام مستقر.

الميدان لا يزال العنصر الحاكم
رغم الضغوط السياسية والدبلوماسية، لا تزال الوقائع الميدانية تشكل العامل الأكثر تأثيرًا في رسم التوازنات.
فالولايات المتحدة و”إسرائيل” تدركان أن أي إنجاز سياسي داخلي في لبنان لا يمكن أن يتحقق بالكامل طالما بقيت المقاومة تمتلك القدرة على فرض معادلات ردع ميدانية.

ومن هنا يمكن فهم الإصرار الأميركي ـ الإسرائيلي على نقل المواجهة من بعدها العسكري المباشر إلى بعدها السياسي والأمني والاقتصادي، باعتبار أن المواجهة العسكرية الصرفة لم تحقق الحسم المطلوب.

لكن في المقابل، ترى المقاومة أن أي تراجع استراتيجي في هذه المرحلة سيؤدي إلى فتح الباب أمام إعادة تشكيل لبنان وفق رؤية تتقاطع مع مشروع التطبيع الإقليمي وإعادة دمج الكيان الإسرائيلي في المنطقة.

التحولات الإقليمية تربك مشروع الحسم
على الرغم من التصعيد السياسي والإعلامي، فإن المشهد الإقليمي لا يزال أكثر تعقيدًا مما تريده واشنطن وتل أبيب.
فهناك مجموعة تحولات بارزة: تعثر الحسم في غزة، تنامي القلق الإسرائيلي الداخلي، صعود مسار التفاهمات الإيرانية ـ الخليجية، تبدل نسبي في المقاربة السعودية تجاه ملفات المنطقة، ومحاولة قوى دولية كالصين وباكستان لعب أدوار تهدئة وضبط توازنات.

هذه المعطيات تجعل من الصعب فرض تسوية نهائية وسريعة في لبنان، لأن الملف اللبناني بات مرتبطًا مباشرة بمستقبل التوازنات الإقليمية الكبرى، لا بمجرد قرار داخلي معزول.

مخاطر الانزلاق الداخلي
أخطر ما في المرحلة الحالية هو انتقال الصراع من مستوى الخلاف السياسي التقليدي إلى مستوى التشكيك المتبادل بالهوية الوطنية والانتماء السياسي. فعندما يصبح جزء من اللبنانيين مقتنعًا بأن السلطة تتحرك ضمن مشروع خارجي، ويصبح جزء آخر مقتنعًا بأن استمرار المقاومة يمنع قيام الدولة، فإن البلاد تدخل مرحلة شديدة الحساسية.

ومع ذلك، لا يبدو أن أي طرف داخلي يمتلك مصلحة حقيقية في الانفجار الشامل، لأن الكلفة ستكون وجودية على الجميع. لذلك، يرجح أن تتجه المرحلة المقبلة نحو: تصعيد سياسي وإعلامي متبادل، ضغوط خارجية متزايدة، محاولات لتوسيع صلاحيات الدولة الأمنية، مقابل تمسك المقاومة بمعادلة الردع وربط أي تسوية بالتوازنات الإقليمية.

الخلاصة الاستراتيجية
لبنان اليوم ليس أمام أزمة حكومية أو خلاف على ملف السلاح فقط، بل أمام محاولة إعادة تعريف دوره ووظيفته السياسية في المنطقة.

الولايات المتحدة و”إسرائيل” تسعيان إلى استثمار لحظة الضغط العسكري والاقتصادي لإنتاج واقع سياسي جديد، بينما تراهن المقاومة على أن التحولات الإقليمية والميدان سيمنعان فرض تسوية نهائية بالشروط الأميركية.
وفي ظل هذا الاشتباك المفتوح، يبدو أن لبنان دخل مرحلة “إدارة التوازنات القسرية”، حيث لا الحرب الشاملة محسومة، ولا التسوية النهائية ناضجة، فيما يبقى الميدان والتطورات الإقليمية العامل الحاسم في تحديد الاتجاه النهائي للصراع.

التعليقات مغلقة.