هل حقًا انتهى حزب الله في لبنان؟

ريحانة مرتضى

حزب الله في لبنان، حزب أعلن عن تشكيله رسميًا في العام 1982 وذلك في مواجهة الاحتلال الصهيوني. هذا الحزب الذي خاض العديد من الحروب مع الكيان الغاصب على مر أربعة وأربعين عامًا يواجه اليوم سؤالًا واضحًا: هل حقًا انتهى هذا الحزب؟ وهل خسر قدراته القتالية؟

تاريخيًا، تشكّل حزب الله بسبب تخاذل الدولة اللبنانية عن حماية أبناء هذا الوطن الذي قدم الشهداء في سبيل سيادته وما زال يقدم الكثير. فهو إذًا حركة جهادية أخذت على عاتقها عمل الدولة اللبنانية في حماية الأرض والبشر مقابل أي اعتداء صهيوني على لبنان.

من هم مقاتلو حزب الله؟ هم أبناء هذه الأرض، وأبناء أهل الأرض الذين رفضوا الاحتلال والذل والانكسار أمام أي محتل وغاصب. هم أبناء هذا الوطن الذين عجزت الدولة الرسمية عن حمايتهم ورد الاعتداء عنهم، فنهضوا بكل ما يملكون من عزم وقوة وقدرات لمواجهة هذا الاحتلال. واجهوا العدو منذ البدايات باللحم الحي، وعلى مر السنين ألحقت هذه المقاومة بالعدو أكبر الخسائر وكانت له بالمرصاد دائمًا لمواجهة مخططاته التوسعية.

إذًا، الواقع فرض على اللبنانيين بشكل عام والشيعة بشكل خاص مقاومة الاحتلال، فلا مكان للذل في الثقافة الشيعية. ومن مدرسة الإمام الحسين عليه السلام استقت هذه الحركة مبدأها في المواجهة: فلا نعطي بأيدينا إعطاء الذليل، والموت لنا كرامة والحياة مع الظالمين برم. هي قاعدة ثابتة في المعتقد لا مجال للتراجع عنها. من هنا كان لا بد من مواجهة العدو المحتل بما توفر من قدرات عسكرية.

انطلاقًا من نشأة حزب الله الشعبية، لا بد من الإشارة إلى أن محاولات الأعداء المستميتة للقضاء عليه لن تجدي نفعًا، فالشعب الذي قاوم المحتل بأقل ما يملك في السابق هو نفسه اليوم حاضر في الساحات على اختلافها، وسيكون قادرًا على تشكيل حركات مقاومة هدفها طرد المحتل من الأرض.

ظن العدو الصهيوني بعد حرب أيلول عام 2024 أنه قضى على حزب الله، بعد شنه هجومًا واسعًا على مختلف المناطق اللبنانية التي تتسم بالطابع المناصر للمقاومة في الجنوب والضاحية الجنوبية لبيروت والبقاع. الهجوم الذي سبقه عمليتا تفجير لأجهزة البيجر واللاسلكي ارتقى جراءهما آلاف الشهداء وأصيب آلاف الجرحى، كما سبقه عملية اغتيال لقادة الرضوان، كان كبيرًا لدرجة أن رئيس وزراء العدو بنيامين نتنياهو خرج ليقول في تشرين الثاني من عام 2024: “لقد دفعناهم للوراء عقودًا”. ومع هذه الخلفية تجرأ العدو الصهيوني، مرغِمًا أميركا على الدخول في حرب مع الجمهورية الإسلامية الإيرانية، وذلك لكون ما يسمونه بأذرع إيران في المنطقة قد تم القضاء عليها.

ولكن للمفارقة، لم يحسب العدو الصهيوني والأميركي الحساب لقدرات ظلت تنتظر اللحظة المناسبة لتخرج إلى العلن. فالمقاومة الإسلامية في لبنان، والتي التزمت الصمت على مدار عام ونصف العام، ورغم الانتهاكات المستمرة للعدو الصهيوني للسيادة اللبنانية، والاغتيالات والاستهدافات المستمرة للمواطنين، والتحليق المستمر للطيران المسيّر والحربي، شنت ضربة استباقية على الكيان اللقيط في وقت كانت قيادة العدو تدرس إمكانية تنفيذ ضربة للحزب تنهي وجوده العسكري بشكل نهائي. الضربات التي تلت هذه الضربة كانت نوعية لدرجة أن العدو الصهيوني اعترف بأنه لا يمكن القضاء على حزب الله. فالعدو الصهيوني توصل إلى هذه النتيجة: أنه لا إمكانية للقضاء على حزب الله بعد أن كان قد صرح بأنه تخلص من القدرة العسكرية التي يمتلكها.

حزب الله، وباعتراف العدو الصهيوني، لا يمكن القضاء عليه. فهو قوة استمدت شرعيتها من حاجة الوطن للحماية والوقوف بوجه أطماع كل عدو يحاول السيطرة عليه. هو من الشعب وهدفه الدفاع عن الشعب.

إذًا، إذا كان هذا الحزب لا يمكن القضاء عليه، هل يمكن أن تنقلب البيئة الحاضنة عليه بسبب القصف المستمر الذي يطالها من قبل العدو الصهيوني؟ البيئة الحاضنة هي هذه الفئة من الشعب التي انطلقت منها المقاومة، وهي البيت الذي ربّى المقاوم وغذّاه بالعقيدة الكفيلة بأن تجعله يواجه جيشًا بأسره.

الحقيقة أنه لا يمكن فصل البيئة الحاضنة عن المقاومة لأنها أهل لهؤلاء المجاهدين؛ هي الأم والأب، الأخ والأخت، الزوجة والأبناء. وإذا كان العدو الصهيوني يراهن على هذه البيئة من خلال الضغط المستمر عليها، وهذا ما نشهده اليوم في هذه الحرب على حزب الله، حيث توجّه العدو لضرب القنوات الإعلامية وفروع القرض الحسن ويعمل على ضرب البنى التحتية، وآخر محاولاته المستميتة هي المناشير التي أسقطها في سماء الضاحية الجنوبية لبيروت. هنا لا بد أن نشير إلى أن هذه البيئة تحمل في أعماقها أضعاف ما يحمل المجاهد على الجبهات من قوة وعزم وصبر، وهي من كانت تطالب قيادة المقاومة بتوجيه ضربات للعدو الصهيوني الذي استباح لبنان على مدار عام ونصف.

ما يحاول العدو الصهيوني اليوم القيام به هو رهان فاشل على البيئة التي لن ترضخ للصعوبات، بل ستجعلها أقوى من أي وقت. وصبرها على هذه الحرب إنما هو في سبيل دعم المقاومة لإرساء معادلات ردع جديدة هدفها لجم جماح العدو ورغباته التوسعية وإيقافه عند حده.

اليوم ما تقوم به المقاومة الإسلامية هو خلق واقع جديد يكون فيه المستوطن الصهيوني مشرّدًا بلا مأوى، وكل المقرات والتجمعات الصهيونية تحت مرمى نيران المجاهدين الأبطال. هذه المعركة، وكما قال شهيدنا الأسمى، أفقها واضح بالنصر المؤزر، والخبر النهائي هو ما نراه في الميدان لا ما نسمعه.

النص يعبر عن رأي الكاتب وليس بالضرورة عن رأي الموقع

التعليقات مغلقة.