حلو الوفا

احصل على تحديثات في الوقت الفعلي مباشرة على جهازك ، اشترك الآن.

هيئة التحرير |

يشهد جمهور تيار المستقبل اليوم، على هزّة عنيفة تربك كيانه ووجدانه وذاكرته، وتجعله غريبًا وسط محيطه الذي لطالما كان فاعلًا ومؤثرًا في رسم مصيره. إلا أن الصدمة الأكثر مضاضة، هي أن هذا الجمهور الذي فُجع باغتيال زعيمه الأول عام 2005، يختبر كل مشاعر التغريب هذه على يد السعودية، التي يعتبرها السند والمرجعية والحامي والكتف التي عليها يتّكئ. والأنكى، أن جمهور تيار المستقبل، القادم من تاريخ مليء بالعروبة والمقاومة والوطنية، يشهد بأمّ العين اليوم، ولي العهد السعودي محمد بن سلمان، وهو ينتزع عباءة الزعامة عن سعد الحريري، ويسدلها على كاهل سمير جعجع، بما يمثل من تاريخ طويل من العمالة والتجزير والقتل والسفك، الذي لم ينجُ منه لا رشيد كرامي ولا أبناء صيدا ولا بيروت ولا كل اللبنانيين.

يقاوم جمهور تيار المستقبل في بيروت والبقاع والجنوب والشمال، آلة ترهيب وترغيب جارفة يقودها فؤاد السنيورة، بدفع ومباركة من السفير السعودية في بيروت وليد البخاري، لكسر قرار سعد الحريري بمقاطعة الانتخابات، ودعم لوائح “سنيورية” في أكثر من دائرة، صُنعت لتكون بذور شتلة زعامة رديفة تطوي صفحة آل الحريري الى الأبد، خصوصًا بعد فشل وتفشيل الابن البكر لرفيق الحريري، بهاء. شتلة فؤاد السنيورة، إذا ما كُتب لها النجاح، بانضمام شتول صغير ممّن قد ينجحون على لوائح القوات والاشتراكي والمجتمع المدني، باتت وصفاتهم جاهزة في السفارة السعودية، وبرنامج عملهم محضّر، لا يقتصر على ورثة بيت الحريري، بل تكوين حالة بديلة تحظى برعاية السعودية واهتمامها ووكالاتها الحصرية في لبنان.

هذا ما يقاومه جمهور تيار المستقبل اليوم، وهذا الوضع الصعب الذي يجد هذا الجمهور نفسه أمامه، بكل مشاعر مربكة ومتخالطة. إلا أن هذا الجمهور، اليوم، يُثبت، بنسبة كبيرة منه، أنه وفي للبيت الحريريّ، في زمن عزّ فيه الوفاء، وفي زمن صار الخوف والانصياع والطموح من أبرز دوافع الغدر. يصرّ جمهور المستقبل على “المقاطعة لعيونك”، ما أصرّ سعد الحريري نفسه على ممانعة الأوامر التي تصل إليه بكثافة واستمرار، وبالمجيء إلى بيروت قبيل الخامس عشر من أيار، ليعمل كماكينة انتخابية للقوات والاشتراكي والسنيورة، من أجل ضمان فوز نواة البديل الذي سيرثه. وهذه فكرة شجّع عليها سمير جعجع ووليد جنبلاط الجانب السعودي خلال لقاءاتهما المتواصلة والماراثونية في الرياض.

بصرف النظر عن تاريخ سعد الحريري، وأدائه ونواياه، وبصرف النظر عن سلسلة الغدر والطعنات التي تلقاها الرجُل ممّن يعتبرون حلفاء، على طول مسيرته التي بدأت منذ اغتيال والده في العام 2005 حتى إجباره على الاستقالة من الرياض عام 2017، انتهاء بإجباره على التنحي وترك الساحة في العام 2022، إلا أن الحريري لطالما كان حجر أساس في المعادلة اللبنانية، ولطالما فضّل العيش المشترك على وصفات الانتحار الطائفي والاقتتال الداخلي، وهذه صفات قد تغفر له الكثير من الخطايا الوطنية، وهي الصفات عينها التي يفتقدها سمير جعجع بالذات، وهي الصفات نفسها التي يؤمن بها تيّار كبير من جمهور المستقبل والتي لأجلها يرفعون اليوم لافتات، من بيروت حتى آخر نقطة حدودية شمالًا وبقاعًا وجنوبًا تحمل شعارًا يلخّص قمة الوفاء للرجُل: مقاطعة لعيونك!

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.