لا تثق بالبدايات… فالحياة لا تُقاس بلحظة الانطلاق

تموز 14, 2026 ريما فارس 16 قراءة 1 دقائق قراءة

نحن نعيش في زمنٍ يقدّس البدايات. يُقنعونك أن بداية السنة الجديدة هي فرصة لتصبح شخصًا آخر، وأن أول يوم في الجامعة سيغيّر مستقبلك، وأن أول وظيفة هي بوابة الأحلام، وأن الحب في أيامه الأولى هو الحقيقة المطلقة، وأن الحماس هو الوقود الذي لا ينفد.

لكن الواقع أكثر قسوة وصدقًا.
البدايات ليست معيارًا لشيء. إنها مجرد لحظة نفسية، يختلط فيها الفضول بالأمل، والرغبة بالخيال، فتبدو الطريق سهلة لأننا لم نمشِ فيها بعد.

كل إنسان يستطيع أن يبدأ، لكن القليل فقط يستطيع أن يستمر.
الحياة لا تختبرك في اليوم الأول، بل في اليوم المئة. لا تسألك كيف بدأت، بل كيف واجهت الملل، وكيف تعاملت مع الخسارة، وكيف نهضت بعد الفشل، وكيف واصلت السير عندما اختفى التصفيق، وغاب المشجعون، وانطفأ ذلك الحماس الذي كنت تظنه لا ينتهي.

لقد تحوّل التحفيز اليوم إلى صناعة. آلاف المقاطع والكتب والخطب تعد الناس بأن النجاح يبدأ بابتسامة، أو بجملة ملهمة، أو بخطة جديدة، بينما تُخفي الحقيقة الكبرى: أن الإنجاز لا يولد من الكلمات، بل من التكرار، والانضباط، والقدرة على العمل في الأيام التي لا تشعر فيها بأي رغبة.

ولهذا ترى كثيرين يبدأون الدراسة بحماس، ثم يتركونها عند أول امتحان، ويبدأون الرياضة، ثم تنتهي عند أول تعب، ويعلنون عن مشاريعهم في اليوم الأول، ثم يختفون قبل أن يرى المشروع النور، ويقعون في الحب لأن المشاعر كانت مرتفعة، ثم ينسحبون عندما تصبح العلاقة مسؤولية لا مجرد إحساس.

المشكلة ليست في البدايات، بل في الوهم الذي نربطها به. نظن أن البداية الجميلة تضمن النهاية الجميلة، مع أن التاريخ، والعلوم، وتجارب البشر كلها تثبت العكس. كم من مشروع بدأ متواضعًا وأصبح عظيمًا، وكم من مشروع بدأ بضجيج وانتهى بصمت. وكم من إنسان تعثر في أول الطريق ثم صنع نجاحًا لم يكن يتوقعه أحد.

لهذا لا تتخذ قرارًا مصيريًا وأنت في ذروة الحماس، ولا تتخذ وعدًا وأنت أسير مشاعر اللحظة. فالحماس يغيّر طريقة رؤيتك للأشياء، لكنه لا يغيّر حقيقتها. انتظر حتى يهدأ اندفاعك، فإن بقي القرار ثابتًا، فامضِ فيه.

الحكمة ليست أن تبحث كل يوم عن مصدر جديد للتحفيز، بل أن تبني شخصية لا تعتمد عليه أصلًا. أن تعمل لأن العمل واجب، لا لأنك تشعر بالرغبة، أن تتعلم لأن العلم قيمة، لا لأن مقطعًا ملهمًا أثار حماسك،. وأن تحب لأنك اخترت المسؤولية، لا لأن المشاعر كانت مرتفعة في البداية.

تذكّر دائمًا أن أكثر الإنجازات عظمة لم تُصنع في لحظات الحماس، بل في الأيام العادية، المملة، الصامتة، التي لم يكن فيها أحد يصفق، ولم يكن هناك دافع سوى الإيمان بالغاية.

لهذا، لا تنخدع بالبدايات… فهي أجمل لحظات القصة، لكنها ليست أهمها، فالقيمة الحقيقية ليست في أن تبدأ، بل في أن تصل، وأنت لم تسمح للحماس أن يقودك، ولا لفتوره أن يهزمك.