تشييع الإمام الخامنئي ومخاض النظام الدولي: هل يقترب العالم من التعددية القطبية؟

تموز 14, 2026 نذير محمد 17 قراءة 1 دقائق قراءة

لم تكن جنازة الإمام علي الخامنئي، الذي استُشهد في 28 شباط/فبراير 2026، مجرد وداع لزعيم ديني وسياسي بارز، بل كانت مشهدًا يستحق التوقف عنده بوصفه علامة دالة على عالمٍ آخذ في التغيّر. فحين يتقاطر أكثر من خمسين وفدًا رسميًا من قارات مختلفة، وتحضر دول تُصنَّف تقليديًا في المعسكر الأميركي وفي مقدمتها المملكة العربية السعودية جنازة رجل دين إيراني تُوفي وسط حربٍ مفتوحة مع واشنطن، فإن السؤال المشروع لا يعود “هل حدث شيء عادي؟” بل “ماذا يقول هذا المشهد عن موازين القوى في العالم؟”. والجواب هنا، بوصفه رأيًا لا حقيقة مسلَّمًا بها، هو أن هذه الجنازة الضخمة، وإن لم تكن دليلاً قاطعًا على اكتمال نظامٍ دولي متعدد الأقطاب، فهي عردليل بارز على أن العالم القديم بات يتصدّع، وأننا نسير ببطء وتعثّر نحو عالم متعدد الأقطاب.

امتدت مراسم التشييع من طهران (4 تموز/يوليو) إلى قم (5 تموز/يوليو)، ثم النجف وكربلاء في العراق (8 تموز/يوليو)، قبل أن تُختتم بالدفن في مشهد (9 تموز/يوليو) إلى جانب مرقد الإمام علي الرضا. وتحدّثت مصادر رسمية عن مشاركة تراوحت بين 15 و20 مليون مشيّع في طهران وحدها. لكن العدد وحده لا يكفي لتفسير أهمية اللحظة؛ فالأهم هو من حضر: رئيس وزراء باكستان وقائد جيشها، رئيس إقليم كردستان العراق، الرئيس الأرميني، ممثلون عن روسيا وتركيا والهند، ووفدٌ سعودي رفيع برئاسة نائب وزير الخارجية، إلى جانب قطر ومصر وعُمان، وممثلين عن حزب الله وحماس والجهاد الإسلامي.

أن تقف الرياض الحليف التاريخي لواشنطن وخصم طهران الإقليمي لعقود في هذا المشهد إلى جانب موسكو وبكين وحركات المقاومة، هو بالضبط ما يجعل هذه الجنازة أكبر من مجرد حدث ديني: إنها لقطة تكشف عن مرحلة انتقالية يعيشها العالم. صحيح لسنا في مرحلة التعددية بعد لكن قد نبدأ الاقتراب من هذه المرحلة. وعلينا أن نكون حذرين حول ما نقول فإن العالم يتغير بتراكمات، مرات دموية الى أن تأتي المرحلة الجديدة، وكما يقول المنظر والقائد الروسي الثوري لينين “الكيف هو بحد ذاته كم”.

لذا لا بد من توضيح المشهد الدولي. والإغراء الأول هو القفز من هذا المشهد إلى استنتاج أن العالم تغير ونحن في مرحلة جديدة، وهذا استنتاج متسرّع. الصين، أبرز مرشّح لمنافسة الهيمنة الأميركية، لا تزال بعيدة عن ذلك. اقتصاديًا هي ثاني أكبر اقتصاد في العالم، لكنها تبقى دون الحجم الأميركي بوضوح. عسكريًا يتوسّع إنفاقها الدفاعي بسرعة، إلا أنه ما زال يعادل نحو ثلث الإنفاق الأميركي فقط، وترسانتها النووية، رغم نموّها المتسارع، لا تقارب نظيرتها الأميركية. ودبلوماسيًا، تلعب بكين دورًا فاعلاً بلا شك -وساطتها في التقارب السعودي الإيراني عام 2023 مثال بارز- لكنها لا تملك شبكة قواعد عسكرية أو تحالفات أمنية موازية لما تملكه واشنطن حول العالم. الصين، بعبارة أخرى، تملأ الفراغات ولا تقود التحالفات بعد. القطب البديل في طور التكوّن، لا في طور الاكتمال.

أما المؤشر الثاني الذي يكبح فرضية “العالم الجديد” فهو موقع دول الخليج نفسها. فرغم حضورها الرمزي في جنازة الإمام الخامنئي، تبقى هذه الدول مرتبطة ببنية دفاعية تقودها واشنطن عبر قواعدها في البحرين وقطر والكويت والإمارات والسعودية، ومندمجة عبر صفقات تسلّح ضخمة في المنظومة العسكرية الأميركية. وكما تُظهر تحليلات مراكز الأبحاث المتخصصة، لا تملك هذه الدول اليوم بديلاً قادرًا على توفير مظلة دفاع جوي أو تنسيق بحري بالثقة نفسها التي توفرها واشنطن، وحتى عُمان، الأكثر استقلالية نسبيًا بين دول الخليج، تتحرك ضمن هوامش محدودة ومحسوبة.

يضاف إلى ذلك أن الهدنة الأميركية الإيرانية التي أُبرمت في حزيران/يونيو 2026 بوساطة قطرية وباكستانية، والتي دفعت طهران إلى تأجيل دفن الإمام الخامنئي انتظارًا لمذكرة تفاهم أولية، سرعان ما اهتزّت: فبعد ساعات فقط من اختتام التشييع في مشهد، شنّت الولايات المتحدة ضربات جوية على نحو تسعين هدفًا داخل إيران، في أعنف تصعيد منذ الهدنة. هذا التطور وحده كافٍ للتذكير بأن ميزان القوة العسكرية الخام، الذي لا يزال يميل بوضوح لصالح واشنطن، هو ما سيحسم مسار المنطقة في المدى القريب، لا رمزية الجنازات.

وهنا يمكن القول إن هذه المعطيات مجتمعة لا تُبطل الفكرة المركزية، بل تُدقّقها. فالعالم نادرًا ما يعلن تحوّلاته الكبرى في لحظة أ أو ب؛ فهو يتغيّر عبر تراكم مشاهد كهذه، حيث تتصدّع تحالفات قديمة قبل أن تتشكّل تحالفات جديدة بوضوح. صحيح أن الولايات المتحدة لا تزال القطب الأول اقتصاديًا وعسكريًا ودبلوماسيًا، وأن الصين لم تكتمل قطبًا موازيًا، وأن الخليج لم يغادر المظلة الأميركية، وأن طهران وواشنطن لا تزالان على حافة حرب مفتوحة، لكن أن تقف السعودية إلى جانب روسيا وتركيا ودول أخرى وحركات المقاومة في وداع رجل الدين الذي واجهت بلاده حربًا مباشرة مع أميركا، هو مشهدٌ ما كان ليحدث بالسهولة نفسها قبل سنوات قليلة. هذه الجنازة الضخمة، إذًا، ليست دليلاً على أن عالمًا متعدد الأقطاب قد وُلد، لكنها عرَضٌ من أعراض عالمٍ في طريقه إلى أن يصبح كذلك.

قد يكون هذا التشييع وقبله 7 أكتوبر وقبله الحرب الروسية الأوكرانية لحظات تراكمية لبناء عالم جديد.. وقد لا يكون.