شهد القرن الحادي والعشرون انحدارًا غير مسبوق في معايير الرصانة والدبلوماسية التي حكمت الفضاء السياسي لعقود طويلة. فبعد أن كانت قيادة الدول ترتبط بالوقار والحكمة والاتزان، برز نمط من القادة والرؤساء يعتمد على كسر القوالب الأخلاقية، مستعينًا بأسلوب خطابي يراه قطاع واسع من المراقبين والمحللين تجسيدًا لـ “السفاهة السياسية” والابتذال اللغوي. وفي هذا السياق، يتربع الرئيس الأمريكي دونالد ترامب كنموذج صارخ لظاهرة تداخلت فيها العنجهية مع السلوك غير المسؤول، ما جعل تصرفاته وأقواله مادة خصبة لدراسة كيف يمكن للنرجسية السياسية عندما تصل إلى حدّها الأقصى أن تتحول إلى أداة للهدم وإثارة الفوضى.
إن التدقيق في سلوكيات ترامب يوضح كيف يتداخل مفهوم النرجسية مع خفة الطرح والسطحية. ولو سألنا خبراء علم النفس السياسي والاجتماعي لأجمعوا على أن العجرفة التي يمارسها ليست دليلًا على القوة بقدر ما هي قناع يخفي رغبة عارمة في لفت الانتباه وفرض الهيمنة الشخصية على حساب المؤسسات. يتجلى هذا بوضوح في أساليبه السياسية التي تدفعه لربط الدولة بأكملها بشخصه، واعتبار أي نقد موجه لسياساته بمثابة مؤامرة كونية ضده. هذه العقلية ألغت من قاموسه تمامًا فكرة الاعتراف بالخطأ أو التراجع، وحوّلت العمل السياسي من إدارة شؤون عامة إلى مسرح لاستعراض الأنا المتضخمة التي لا ترى في العالم سوى تابعين أو أعداء.
ولم يتوقف الأمر عند حدود السلوك، بل انعكس في بنية أقواله التي اتسمت بـ “السفاهة” والابتذال التواصلي؛ فقد تعمد ترامب النزول بالخطاب السياسي إلى مستويات غير مسبوقة من التدني، مستخدمًا لغة طفولية وجملًا مفككة تعتمد على التكرار السطحي وإطلاق الألقاب الصبيانية الساخرة على خصومه (“جوي النعسان”، “هيلاري الملتوية”). هذا الأسلوب، وإن اعتبره مؤيدوه بساطة، يراه خبراء التواصل استخفافًا بعقول الجماهير وإفراغًا للسياسة من محتواها الفكري والعقلاني. يضاف إلى ذلك فرط الادعاء والتفاخر الأجوف بأقوال من قبيل “أنا العبقري الأوحد” و”لا أحد يفهم في هذا العلم غيري”، وهي تصريحات تخرج تمامًا عن حيز اللياقة لتستقر في مساحات الهذيان السياسي والعنجهية الفارغة التي تسفّه من شأن الخبراء والمختصين.
إن ما ساعد على ازدهار هذا النموذج هو “عصر المشهد” والتفاهة الرقمية التي تروج لها خوارزميات وسائل التواصل الاجتماعي، والتي تقتات على الفضائح والصدام بدلًا من الحوار العقلاني. لقد نجح ترامب في تحويل السياسة الدولية ومصائر الشعوب إلى ما يشبه برامج تلفزيون الواقع، حيث تصبح الإثارة الرخيصة والصدمات المتتالية هي المعيار الوحيد للبقاء في دائرة الضوء. هذا التطبيع مع السلوك غير الرصين أدى إلى تدمير الأعراف، وخلق بيئة اجتماعية مشحونة بالغضب والاستقطاب، حيث تُستبدل الحقائق والوثائق بالشائعات والانفعالات العاطفية.
في نهاية المطاف، لا يمثل ترامب مجرد حالة عابرة، بل هو مؤشر خطير على حقبة باتت تتقدم فيها السفاهة على الحكمة، وتطغى فيها النرجسية الفجة على المسؤولية الأخلاقية للقيادة، وما دعمه للكيان اللقيط وحربه على المستضعفين في المنطقة إلّا خير مثالٍ على هذا الأمر.