في تاريخ الحركات التحررية، تمرّ الثورات عادةً بمراحل من الاستقرار والتمأسس قد تُفقدها أحيانًا وهجها الأوّل أو بريق اندفاعتها التأسيسية. لكنّ مدرسة المقاومة في الإقليم تثبت اليوم، ومن جديد، معادلة استثنائية يمكن تسميتها بـ “الثورة في الثورة”؛ وهي عملية التجدد الذاتي المستمر للروح الثورية، وإعادة ضخ الدماء الشابة في شرايين جبهة المواجهة لتبقى جذوتها متقدة لا تنطفئ.
هذا التجدد ليس وليد الصدفة، بل هو امتداد أصيل لإحياء المنهج الحسيني الكربلائي الذي لا يرى في الشهادة والمواجهة حدثًا تاريخيًا عابرًا، بل نهجًا ممتدًا وصيرورة تاريخية تصنع النصر من رحم التضحيات الكبرى.
النداء العابر للزمن: أجيال لم تُولد بعد
حين وقف الإمام الحسين (ع) في رمضاء كربلاء وحيدًا، وأطلق نداءه المدوي: “هل من ناصر ينصرنا؟”، لم يكن يستنصر جغرافيا ميتة أو محاصرين في بقعة جغرافية ضيقة؛ بل كان يرسل نداءً عابرًا للأزمنة، وخطابًا موجهًا إلى أجيال لم تُولد بعد. كان يعلم (ع) أن في هذه الأمة طاقات هائلة وقوة كامنة لو فُعّلت لغيّرت وجه التاريخ.
واليوم، نرى أن هذه القوة قد فُعّلت بالفعل؛ فتحولت الصرخة الحسينية إلى جبهات ممتدة، وصارت الأمة التي أراد المستكبرون تدجينها ماردًا يقلب موازين القوى ويغير وجه المنطقة والتاريخ.
من الآلام الكبرى إلى اللذة العظمى: فلسفة الشهادة
في الحسابات المادية، تبدو تضحيات غزة ولبنان آلامًا كبرى ومجازر تفوق طاقة البشر، لكن في الحسابات الحسينية العرفانية، تنقلب الموازين. لقد استحال هذا الألم الكبير في حس الناس العاديين إلى لذة كبرى في حس الشهداء والمجاهدين، مسترشدين في ذلك بأبي عبد الله الحسين (ع) ونهضته.
إنه العشق الإلهي الذي يجعل الشهيد يرى في بذل الروح طمأنينة وفي الجراح كرامة، تمامًا كما قالت العقيلة زينب (ع): “ما رأيت إلا جميلًا”. هذه الرؤية تحول الوجع إلى طاقة صمود لا تنفد، وتجعل من الدماء وقودًا للاستمرار لا سببًا للانكفاء.
امتداد الراية: من الفراش الحائم إلى الدماء المحيية
كيف لرجل واحد، غريب ومبعد، أن يصنع كل هذا التحول؟ لقد كان الإمام الخميني روحًا إلهية تملؤها السكينة، فاجتمعت حوله الجماهير كالفراش الحائم حول النور. لقد أيقظ في الأمة وعيها الإنساني والإسلامي، فأذاب الخوف من قلوب الملايين وصنع منهم شعبًا ثائرًا غيّر وجه العالم الإقليمي والدولي.
ثم تسلّم الإمام الخامنئي الراية ليقود السفينة وسط عاتيات العواصف. ولم تكن قيادته سياسية فحسب، بل قدم دماءه (بإصابته وجراحه التي يحملها منذ شبابه) قربانًا على هذا الطريق. بهذه الجراح وبتلك التضحيات المستمرة، أحيا الأمة من جديد، ورسخ مفهوم المقاومة الإستراتيجية كخيار وحيد لانتزاع السيادة.
واليوم، يبرز حضور السيد مجتبى الخامنئي كحلقة تواصل وتجدد بين الأجيال؛ يجسد امتداد الروح الثورية الشابة والنقية، التي تنهل من النبع الحوزوي والسياسي الأصيل، لتؤكد أن هذه المدرسة ولّادة، وأن فكر مواجهة الهيمنة حيّ يتجدد في عقول وقلوب قادة الحاضر والمستقبل.
الجهاد كصيرورة تاريخية: الفولذة والغربلة
إن الجهاد في هذه الأمة ليس حدثًا طارئًا، بل هو صيرورة تاريخية ممتدة تبدأ من الحسين الشهيد، وتنير درب الأحرار عبر العصور. هذه الصيرورة تعمل كـ”مصفاة” و”مسبك”؛ فهي تفولذ سواعد المقاومين وتجعل إرادتهم صلبة كالحديد في مواجهة آلة القتل الاستكبارية، وفي الوقت نفسه تغربل الصفوف، فتميز الخبيث من الطيب، وتكشف زيف المترددين والمساومين، ليبقى في الميدان فقط من وهبوا أنفسهم للحق.
غزة ولبنان: كيف استحالت الدماء منابر من نور؟
إن المعجزة الكربلائية تتكرر اليوم في غزة الأبية وضاحية بيروت والجنوب الباسل؛ حيث تحولت الدماء بفعل الإيمان والصبر العظيم إلى منابر من نور وشعلة تضيء درب الأحرار في كل أصقاع الأرض:
صناعة الوعي العالمي: لم تعد المظلومية مجرد بكاء على الأطلال، بل تحولت دماء الأطفال والنساء والقادة الشجعان إلى حجة أخلاقية كبرى فضحت زيف “الحضارة الغربية” وأيقظت ضمائر الشعوب، حتى في عقر دار الاستكبار.
منارة للأجيال القادمة: هذه التضحيات تحولت إلى “شعلة” يسترشد بها المستضعفون؛ فالدماء التي ظن العدو أنها ستنهي المقاومة، أصبحت وقودًا لجيل جديد أكثر إيمانًا، وأشد بأسًا، وأقرب إلى النصر الشامل.
إنها “الثورة في الثورة”.. مسيرة مباركة تأبى الركود، تسترشد بنور الحسين، وتتحرك بوعي القيادة، وتتعمد بدماء الشهداء الأبرار، لتبني فجرًا جديدًا للإقليم وللأمة جمعاء، فجرًا تصنعه منابر النور التي شُيّدت من طهر تلك الدماء الزكية.
وغدًا، من خلف مرمى الشمس، سينبلج النور، ويقترب الرجاء، ويدنو الأمل، كما صلاة الفجر في ليلة القدر.