ليس أخطر من اتفاقٍ ينتقص من الحقوق الوطنية إلا محاولة تزيينه بالكذب، وليس أشد خطرًا من التفريط بالسيادة إلا تحويل التضليل إلى سياسة رسمية لإقناع الناس بأن ما جرى ليس ما كُتب، وأن النصوص يمكن أن تتبدل معانيها بحسب الحاجة السياسية. فحين يصبح الدفاع عن الاتفاق قائمًا على تحريف ألفاظه، يكون الاعتراف الضمني بضعفه قد سبق أي إدانة سياسية له.
إن الاتفاق الذي وقّعه ثنائي السلطة لا يمكن عزله عن نتائجه القانونية والسياسية. فالنصوص الدولية لا تُفسَّر بالرغبات، ولا تُقرأ وفق المؤتمرات الصحافية، بل وفق عباراتها الدقيقة ومقاصدها القانونية. ولذلك، فإن أي محاولة لاستبدال معنى كلمة “وقف” بمعنى “تعليق” ليست مجرد اختلاف في التفسير، بل هي محاولة لإعادة كتابة الاتفاق بعد توقيعه، وكأن الرأي العام لن يطّلع على النص الأصلي.
إن الفارق بين الوقف والتعليق ليس تفصيلًا لغويًا عابرًا، بل فارق جوهري في القانون الدولي. فالتعليق يفترض إمكانية استعادة الحق عند زوال سبب التعليق، بينما الوقف يعني إنهاء الإجراء ووقف مفاعيله، وهو ما يغيّر طبيعة الالتزام برمّته. وعندما تُدرج ملاحقة الاحتلال أمام المؤسسات القانونية والسياسية الدولية ضمن خانة “الأعمال العدائية”، فإن ذلك لا يجمّد حقًا قائمًا فحسب، بل يجرّد هذا الحق من مشروعيته السياسية والقانونية، ويحوّل ممارسة الوسائل السلمية التي يكفلها القانون الدولي إلى فعلٍ يُعامل بوصفه خرقًا للاتفاق.
وهنا تكمن الخطورة الحقيقية. فالقضية ليست مجرد مادة قانونية، بل إعادة تعريف لمفهوم الصراع نفسه. إذ يصبح اللجوء إلى القضاء الدولي، أو رفع الشكاوى، أو المطالبة بمحاسبة الاحتلال على جرائم الحرب والانتهاكات، أمورًا يُراد إخراجها من دائرة الحقوق الطبيعية للشعوب الواقعة تحت العدوان، وإدخالها في دائرة المحظورات التي تستوجب الإدانة أو العقوبة السياسية.
إن الدول التي تحترم سيادتها لا تتنازل عن أوراق قوتها القانونية، ولا تتخلى بإرادتها عن حقها في ملاحقة المعتدي أمام المحاكم والهيئات الدولية. فالعدالة الدولية، مهما شابها من ازدواجية وانتقائية، تبقى ساحة من ساحات المواجهة السياسية والقانونية، والتنازل عنها مجانًا لا يمكن اعتباره خطوة نحو السلام، بل تنازلًا مجانيًا عن حق ثابت للشعب والدولة.
ثم تأتي محاولة تبرير هذا التنازل بـالكذب على الرأي العام، وكأن اللبنانيين عاجزون عن قراءة النصوص أو مقارنتها بما يُقال في الإعلام. إن احترام المواطنين يبدأ باحترام عقولهم، واحترام النصوص يبدأ بعدم تزوير معانيها. أما تحويل الكلمات إلى أدوات دعائية، فلن يغيّر حقيقة ما كُتب، ولن يمحو الآثار القانونية التي يرتبها الاتفاق.
لقد علّم تاريخ لبنان أن أخطر الاتفاقات لم تكن تلك التي وُوجهت بالرفض الشعبي فحسب، بل تلك التي حاول أصحابها تسويقها تحت عناوين مضللة. غير أن الوقائع كانت دائمًا أقوى من الخطابات، والنصوص كانت دائمًا أبلغ من التصريحات. فالوثائق تبقى شاهدة على أصحابها مهما تبدلت الحكومات وتغيّرت المواقف.
إن الدفاع عن الحقوق الوطنية لا يكون بإعادة تفسير النصوص وفق مقتضيات السياسة، ولا بتخفيف وقعها عبر ألعاب لغوية، بل بالتمسك الكامل بكل وسائل المواجهة التي يقرها القانون الدولي، وفي مقدمتها حق ملاحقة الاحتلال على جرائمه وعدم منحه حصانة سياسية أو قانونية بأي صيغة كانت.
إن الأوطان لا تُصان بالإنكار، والسيادة لا تُحفظ بتحريف العبارات، والحقوق لا تضيع دفعةً واحدة، بل تبدأ بالتنازل عن كلمة، ثم عن مادة، ثم عن مبدأ، حتى يصبح التفريط أمرًا عاديًا في الخطاب السياسي. ولهذا، فإن معركة اليوم ليست معركة تفسير مصطلح قانوني فحسب، بل معركة دفاع عن حق لبنان في أن يبقى قادرًا على استخدام كل الوسائل المشروعة لمحاسبة من يعتدي عليه، وعن حق شعبه في معرفة الحقيقة كاملة، بلا تجميل، وبلا تضليل، وبلا كذب يضاف إلى سجل التنازلات.