ليست قيمة الشعوب في ما تملكه من قوة مادية، بل في ما تملكه من قدرة على إعادة إنتاج ذاتها بعد كل محاولة لإلغائها. فهناك أمم تُهزم عندما تُهدم مدنها، وهناك أممٌ تولد من بين الأنقاض أكثر حضورًا. وفي لبنان، بعد أكثر من ثلاثة أشهر ونصف من الحرب والدمار والتهجير، جاء يوم العاشر من المحرّم ليقدّم مشهدًا يتجاوز حدود المناسبة الدينية، ليصبح حدثًا سياسيًا وفلسفيًا يفرض نفسه على كل من يحاول فهم مستقبل المنطقة.
لقد أراد العدو أن يحوّل الجنوب والضاحية إلى جغرافيا خالية من الحياة، فإذا بها تتحول إلى ساحات عاشورائية مفتوحة. عاد الناس إلى قراهم المدمرة، ولم يكن أول ما رفعوه سقوف بيوتهم، بل رايات الحسين. لم يبدأوا بإحصاء خسائرهم، بل بإقامة المجالس والمضائف. وكأن الرسالة الأولى كانت أن الإنسان لا يعيش بالحجارة وحدها، وإنما بالمعنى الذي يمنحه القدرة على الاستمرار.
هنا لا يعود الركام مجرد أثر للحرب، بل يصبح شاهدًا على فشلها. فالعدوان ينجح عندما يُغيّر هوية الشعوب، لا عندما يهدم أبنيتها. أما حين يزداد الناس حضورًا بعد الدمار، فإن الحرب تكون قد خسرت أهم أهدافها، حتى وإن تركت خلفها آلاف الأطنان من الإسمنت المحطم.
من هنا يمكن فهم المشهد المهيب الذي شهدته الضاحية والجنوب والبقاع في يوم العاشر. مئات الآلاف ساروا في الطرقات التي أرادها العدو خاوية. لم تكن تلك الحشود مجرد مواكب عزاء، بل كانت استفتاءً شعبيًا على الهوية والانتماء. لقد تحولت عاشوراء هذا العام إلى إعلان جماعي بأن كربلاء ليست ذكرى تُستعاد، بل منهج يُمارس، وأن العلاقة بالحسين ليست علاقة تاريخية، بل علاقة وجودية تعيد تعريف معنى الحياة والموت والانتصار.
ولهذا جاءت كلمة الأمين العام لحزب الله الشيخ نعيم قاسم منسجمة تمامًا مع هذا المشهد. فلم يتحدث عن كربلاء بوصفها حدثًا مضى، بل قال عبارته المفصلية: “لم نعد أمام كربلاء التاريخ، بل أصبحنا أمام كربلاء المتصلة من التاريخ إلى الحاضر إلى المستقبل.”
في هذه العبارة يكمن البعد الفلسفي للخطاب كله. فالتاريخ، في هذه الرؤية، لا يُقرأ باعتباره ماضيًا منتهيًا، بل باعتباره بنيةً مستمرة تعيد إنتاج نفسها كلما عاد الصراع بين مشروع الهيمنة ومشروع الحرية. ولذلك فإن عاشوراء ليست مناسبة زمنية، وإنما معيارٌ أخلاقي وسياسي يُقاس به موقف الإنسان من الظلم والاحتلال والسيادة.
ولذلك أيضًا، لم تكن الحشود مجرد جمهور يستمع إلى خطاب، بل كانت هي الخطاب نفسه. كانت تقول إن الحرب التي استهدفت كسر البيئة الحاضنة للمقاومة انتهت إلى نتيجة معاكسة؛ إذ خرج جمهورها أكثر حضورًا، وأكثر التصاقًا برموزه، وأكثر استعدادًا لتحمل التضحيات. وهنا يصبح المشهد الشعبي أهم من أي خطاب سياسي، لأنه يحسم السؤال الذي كانت الحرب تحاول الإجابة عنه: هل يمكن كسر إرادة هذا المجتمع؟ وكان الجواب في الساحات قبل أن يكون على المنابر.
لقد حملت عاشوراء هذا العام أربع رسائل استراتيجية متداخلة عبر عنها الأمين العام لحزب الله الشيخ نعيم قاسم:
الرسالة الأولى إلى العدو الصهيوني: على “إسرائيل” أن تخرج من أرضنا ذليلة حاسرة.. ولا للتطبيع أو إلغاء حالة العداء معها، حيث اعتبر الأمين العام أن الحرب العسكرية لم تتحول إلى انتصار سياسي. فالتهجير لم يُنهِ الهوية، والدمار لم يُسقط العقيدة، والشهداء لم يزرعوا الخوف، بل عمّقوا الالتفاف الشعبي. ولهذا شدد الشيخ نعيم قاسم على أن أي حل يبدأ بانسحاب الاحتلال كاملًا، وأن أي محاولة لفرض وقائع سياسية تحت ضغط الحرب لن تجد من يمنحها الشرعية. فالاحتلال يستطيع أن يهدم الأبنية، لكنه يعجز عن هدم الوعي الذي يجعل آلاف الناس يخرجون إلى الشوارع بعد أشهر من القصف وهم يهتفون: “هيهات منا الذلة.”
أما الرسالة الثانية إلى الداخل اللبناني، فكانت أكثر هدوءًا وأكثر عمقًا. لم يكن الخطاب خطاب قطيعة، بل خطاب شراكة مشروطة بالسيادة. مدّ الشيخ اليد إلى الدولة، لكنه رفض أن تكون هذه اليد مقيّدة بالإملاءات الخارجية. فالسلطة، في نظره، مدعوة إلى بناء دولة قوية، ومعالجة الاقتصاد والإعمار وأموال المودعين، لكن على قاعدة قرار وطني مستقل، لا على قاعدة ترجمة نتائج الحرب إلى تنازلات سياسية.
والرسالة الثالثة إلى الإقليم، أن المنطقة دخلت مرحلة جديدة بعد الحرب والتفاهمات الإقليمية، وأن موازين القوة لم تعد كما كانت. ومن هذا المنطلق قرأ الشيخ مذكرة التفاهم الإيرانية-الأميركية باعتبارها اعترافًا بأن سياسة الحصار والضغط لم تحقق أهدافها، وأن معادلات المنطقة تُكتب اليوم على أساس مختلف عما قبل الحرب.
أما الرسالة الرابعة، وهي الأهم، فهي الرسالة الحضارية. فالأمم لا تنتصر فقط عندما تربح المعارك، بل عندما تمنع خصومها من تغيير هويتها. وهذه هي المعركة التي انتصر فيها جمهور عاشوراء هذا العام. لقد أثبت أن مدرسة الإمام الحسين ما زالت قادرة على إنتاج الإنسان الذي يرى في الشهادة حياة، وفي الصبر قوة، وفي الثبات طريقًا إلى الحرية.
من هنا نفهم بصورة أعمق المقولة المنسوبة إلى الإمام الخميني المقدس: “اقتلونا فإن شعبنا يعي أكثر فأكثر.” فالقضية ليست تمجيدًا للموت، بل الإشارة إلى أن العنف قد يعجز عن تحقيق غايته إذا كان يزيد المجتمع تماسكًا ووعيًا بقضيته. وهذا ما عكسته مشاهد يوم العاشر، حيث بدا أن كل بيت مهدّم تحول إلى منبر، وكل شهيد تحول إلى راية، وكل أم ثكلى تحولت إلى امتداد لصبر السيدة زينب عليها السلام.
لقد قال الإمام الحسين: “إني لا أرى الموت إلا سعادة، والحياة مع الظالمين إلا برمًا.” وفي عاشوراء هذا العام، بدا أن هذا القول لم يعد مجرد نص يُتلى، بل تجربة يعيشها شعبٌ كامل، شعبٌ خرج من الحرب أكثر يقينًا، ومن الدمار أكثر حضورًا، ومن الفقد أكثر وفاءً.
وهكذا، لم يكن يوم العاشر مجرد إحياء لذكرى كربلاء، بل إعلانًا عن ولادة مرحلة جديدة؛ مرحلة عنوانها أن الشعوب التي تبني هويتها على القيم لا تُقاس بما خسرته من حجارة، بل بما حافظت عليه من معنى. ولهذا لم يكن الركام نهاية الحكاية، بل كان بداية فصل جديد كتبته الجموع التي خرجت لتقول، بالفعل قبل القول، إن الحسين ما زال يصنع التاريخ، وإن الأمة التي تحفظ عهده لا تُهزم، لأنها انتصرت أولًا على الخوف.