العاشر من المحرّم… أمة تُجدد عهد الكرامة على خطى الحسين

حزيران 26, 2026 ريما فارس 16 قراءة 1 دقائق قراءة

في زمنٍ تتهاوى فيه الأمم أمام أول امتحان، تقف هذه الأمة شامخةً كالجبل، لا تنحني لعاصفة، ولا تكسرها المحن مهما اشتدت. أمةٌ كتبت تاريخها بالدموع والدماء، وسقت أرضها بدماء الشهداء، حتى غدا الألم جزءًا من يومياتها، لكنها لم تسمح يومًا أن يتحول إلى هزيمة.

إنها الأمة التي تمشي فوق أشلائها، وتشيّع أبناءها، وتدفن أحلامها تحت الركام، ثم تعود لتنهض من جديد، أكثر صلابةً وإصرارًا. أمةٌ أرهقتها الحروب، وأثقل كاهلها الفقر والحصار، لكنها لم تبع كرامتها في أسواق السياسة، ولم تستبدل عزتها برغيفٍ مغمّسٍ بالذل.

كم من بيتٍ تهدّم، وكم من أمٍّ ثكلت ولدها، وكم من طفلٍ نام على صوت القصف لا على حكايات الأمهات، ومع ذلك بقيت الكلمة نفسها تتردد على الألسن والقلوب: هيهات منا الذلة. إنها ليست مجرد عبارة تُقال، بل عقيدة حياة، وموقف وجود، وإعلان دائم بأن الكرامة أغلى من الحياة نفسها.

واليوم، في العاشر من المحرّم، تتجلّى عظمة هذه الأمة بأبهى صورها، إذ يحتشد مئات الآلاف، بل الملايين، في المسيرات الحسينية، رجالًا ونساءً، شيوخًا وأطفالًا، يسيرون على خطى الإمام الحسين (عليه السلام)، مجدّدين العهد على أن تبقى كربلاء نبضًا حيًّا في وجدانهم. فهذه الحشود التي تملأ الساحات والطرقات ليست مجرد تجمعات بشرية، بل هي إعلان متجدد بأن رسالة الحسين لا تزال حيّة، وأن الظلم مهما امتلك من قوة وسلاح لن يتمكن من إخماد صوت الحق.

إن مشهد الآلاف الذين يسيرون في يوم العاشر، رغم الجراح والأزمات والظروف الصعبة، يؤكد أن هذه الأمة لم تهزمها الحروب، ولم تكسرها التضحيات، بل ازدادت تمسكًا بمبادئها وإيمانها. فالحسين (عليه السلام) لم يعد حدثًا تاريخيًا فحسب، بل أصبح نهجًا تسير عليه الأجيال، وتستمد منه القوة والعزة والكرامة.

وإذا كانت هذه الأمة قد تعلّمت أن تصنع من الجراح قوة، فإنها لم تكن يومًا وحيدة في ميدان التضحيات. فإيران كانت وما زالت شريكةً في الدم والموقف والمصير، جمعتها بهذه الأمة قضية الحق ورفض الظلم والاستكبار. إنها شراكة لم تصنعها المصالح العابرة، بل صنعتها التضحيات والدماء الزكية والمواقف الصلبة. لذلك، لا يمكن لأي حصار أو حرب أو مؤامرة أن تفصل بينهما، لأن ما يجمعهما أعمق من السياسة وأبقى من المصالح؛ إنه عهدٌ من الصمود والثبات على طريق الكرامة والعزة.

هذه الأمة الجبارة أدركت أن الأوطان لا تُصان بالخضوع، وأن الحرية لا تُمنح بل تُنتزع بالتضحيات. لذلك، ورغم الجراح المفتوحة، والفقر الذي ينهش أجساد أبنائها، والحصار الذي يطوقها، ما زالت ترفع رأسها عاليًا، مؤمنةً بأن الليل مهما طال فلا بد للفجر أن يبزغ.

لقد أثبتت التجارب أن الشعوب التي تتشبث بكرامتها لا تُهزم، وأن الأمة التي جعلت من شعار الإمام الحسين (عليه السلام) نبراسًا لها، لن تعرف طريق الاستسلام، وستبقى تردد جيلاً بعد جيل: هيهات منا الذلة؛ لأن الذلة موتٌ بطيء، أما العزة فحياةٌ وإن اكتنفتها التضحيات.