في السياسة، لا تُقاس خطورة المواقف بما تقوله عن الخصوم، بل بما تكشفه عن أصحابها. وهذا ما ظهر بوضوح في الساعات الأخيرة عندما خرج الرئيس جوزاف عون ورئيس الحكومة نواف سلام بمواقف بدت أقرب إلى الرد على خطاب الشيخ نعيم قاسم وموقف رئيس مجلس النواب نبيه بري منها إلى مواجهة العدوان الصهيوني المستمر على لبنان.
فالمفارقة أن السلطة التي يُفترض أن تكون في موقع الدفاع عن لبنان في مواجهة الاحتلال والاعتداءات، وجّهت معظم سهامها نحو الداخل اللبناني. وبدل أن يكون النقاش حول استمرار الاحتلال، وعمليات القتل، وتجريف القرى، وتدمير المنازل، تحوّل إلى نقاش حول المقاومة وسلاحها ودورها، وكأن المشكلة الأساسية لم تعد العدوان بل رد الفعل على العدوان.
بيان بري الذي كشف المستور
لم يكن موقف الرئيس نبيه بري مجرد اعتراض على بعض بنود الطرح الأميركي، بل كان كشفًا سياسيًا لطبيعة المشروع المطروح. فالرجل لم يرفض وقف إطلاق النار، ولم يرفض انسحاب المقاومة من جنوب الليطاني، بل طالب بما يُفترض أن يكون بديهيًا في أي اتفاق متوازن: التزامًا متبادلًا بين الطرفين.
فعندما أكد أن وقف إطلاق النار يجب أن يكون شاملًا وغير مشروط، وأن انسحاب المقاومة يجب أن يكون بالتوازي مع انسحاب الاحتلال من الأراضي التي يحتلها، أعاد التذكير بقاعدة قانونية وسياسية بسيطة: لا يمكن لطرف أن يلتزم بكل شيء فيما لا يلتزم الطرف الآخر بأي شيء.
وهنا ظهر المأزق الحقيقي للسلطة. فبيان بري أسقط الرواية التي حاولت تصوير المشكلة على أنها رفض من المقاومة للاتفاق، وأعاد النقاش إلى السؤال الذي جرى تجاهله عمدًا: ماذا عن الاحتلال؟ ماذا عن الخروقات اليومية؟ ماذا عن استمرار العدوان؟
منطق الدولة أم منطق الإذعان؟
يرفع الرئيس عون والرئيس سلام شعار الدولة وحصرية قرار الحرب والسلم، وهو شعار يلقى قبولًا طبيعيًا لدى كل من يؤمن بالدولة ومؤسساتها. لكن السؤال الجوهري يبقى: أي دولة يمكن أن تُبنى في ظل استمرار الاحتلال والاعتداءات؟
فالدولة ليست مجرد مؤسسة تطلب من مواطنيها التخلي عن وسائل الدفاع، بل هي أولًا الجهة القادرة على حماية أرضها وشعبها وسيادتها. وعندما تعجز عن وقف الاعتداءات أو تحرير الأراضي المحتلة أو منع القتل والتدمير، يصبح الحديث عن نزع عناصر القوة المتاحة للبنان سابقًا لأوانه.
ومن هنا وقع الخطاب الرسمي في مفارقة كبيرة: فهو يطالب اللبنانيين بالثقة الكاملة بالدولة، لكنه لا يقدم إجابة واضحة عن كيفية حماية لبنان إذا استمر الاحتلال والعدوان بعد تنفيذ كل الشروط المطلوبة منه.
قلب المعادلة السياسية
الأخطر في الخطاب الرسمي أنه لم يكتفِ بتجاهل أصل المشكلة، بل أعاد تعريفها بالكامل. فبدل أن يكون الاحتلال هو أصل الأزمة، أصبحت المقاومة هي المشكلة. وبدل أن يكون العدوان هو موضوع النقاش، أصبح الرد على العدوان هو موضع الاتهام.
هذه ليست مجرد مقاربة سياسية مختلفة، بل انقلاب كامل في ترتيب الأولويات الوطنية. إذ يصبح المطلوب من الضحية أن تبرر دفاعها عن نفسها، فيما يُعفى المعتدي من تقديم أي التزام فعلي أو أي ضمانة حقيقية. ولذلك بدا خطاب الشيخ نعيم قاسم مختلفًا جذريًا، لأنه أعاد النقاش إلى أصل القضية: لا يمكن الحديث عن استقرار دائم فيما لا تزال الطائرات المعادية تحلق، والأرض محتلة، والقرى تُدمر، والأهالي يُقتلون أو يُهجّرون.
السيادة بين الشعار والواقع
المفارقة الكبرى أن السلطة ترفع شعار السيادة في مواجهة المقاومة، لكنها لا ترفعه بالحدة نفسها في مواجهة الاحتلال. تتحدث عن حصرية السلاح، لكنها لا تتحدث بالوضوح نفسه عن حصرية الأمن ومنع الاعتداءات. تطالب اللبنانيين بالتنازل عن عناصر القوة الموجودة بأيديهم، لكنها لا تملك ضمانات حقيقية لوقف العدوان أو إلزام العدو بأي تعهد مماثل.
وهنا يظهر الفارق بين مفهومين للسيادة: سيادة تُقاس بقدرة الدولة على حماية مواطنيها ومنع فرض الإرادات الخارجية عليهم، وسيادة تُختزل في نزع عناصر القوة الداخلية بغض النظر عن استمرار الأخطار الخارجية. ولذلك يحق للبنانيين أن يتساءلوا: عندما يتحدث الاحتلال عن الأمن، لماذا تتحدث السلطة عن سلاح المقاومة؟ وعندما تُهدم القرى، لماذا يصبح التفاوض هو الأولوية؟ وعندما يُقتل اللبنانيون، لماذا يُطلب منهم أولًا إثبات حسن النية؟
فالغريب أن يُطلب من أهل الأرض الانسحاب قبل أن يُطلب من المحتل الانسحاب، وأن يُطلب من المتعرض للقصف أن يلتزم الصمت فيما لا يملك أحد التزامًا واحدًا من المعتدي. وإذا كان هذا هو مفهوم السيادة، فكيف يكون الخضوع؟
بين المقاومة والتسوية
في جوهر المشهد اللبناني اليوم لا يدور الصراع حول بند في اتفاق أو آلية تنفيذية، بل حول خيارين متناقضين.
الخيار الأول يرى أن لبنان لا يستطيع حماية نفسه إلا من خلال عناصر القوة التي راكمها طوال عقود من المواجهة، وأن أي تفاوض يجب أن يقوم على قاعدة التوازن والالتزام المتبادل. أما الخيار الثاني فيراهن على أن تقديم التنازلات السياسية والأمنية سيقود إلى الاستقرار ويُرضي المجتمع الدولي وينهي الصراع.
لكن التجارب التاريخية تثبت أن الاحتلال لا يتخلى عن أطماعه لأن الطرف الآخر أصبح أضعف، بل لأنه أصبح عاجزًا عن تحقيق أهدافه بالقوة.
دم الجيش يسقط أوهام التسوية
وبينما كانت السلطة تتحدث عن التفاوض والفرص السياسية والمشاريع المستقبلية، جاءت الوقائع لتسقط مرة جديدة أوهام الرهان على حسن نيات العدو. فاليوم لم يُستهدف مقاوم في الميدان، بل استُهدف ضابط في الجيش اللبناني، العميد وسام صبرا، مع النقيب إيلي خوري والمجند حسين الغزال، في غارة صهيونية على أرض لبنان.
وهنا تتكشف الحقيقة التي يحاول البعض القفز فوقها: المشكلة لم تكن يومًا في المقاومة، ولا في الجيش، ولا في أبناء الجنوب. المشكلة في عدو لا يعترف بقانون ولا باتفاق ولا بسيادة. فمن قال إن التنازل يجلب الأمان؟ ومن أقنع اللبنانيين أن خفض السقف الوطني سيخفض سقف العدوان؟ وها هو الجيش نفسه يدفع الثمن كما دفعه المقاومون والمدنيون من قبل.
والأشد مرارة أن استهداف ضابط برتبة عميد في الجيش اللبناني مرّ وسط استمرار الحديث عن التفاوض والسلام والفرص التاريخية. أما رئيس الجمهورية، الآتي من المؤسسة العسكرية، فكان يفترض أن يكون أول من يدرك أن استهداف ضابط في الجيش ليس حادثًا عابرًا، بل اعتداء مباشر على سيادة الدولة التي يتحدثون باسمها صباح مساء.
فإذا كان استهداف عميد في الجيش اللبناني لا يكفي لدق ناقوس الخطر، فماذا ينتظر المسؤولون بعد؟ وإذا كانت دماء الجيش لا توقظ هذا الخطاب السياسي الغارق في أوهام الضمانات الدولية، فليوقظهم أحد إلى حقيقة بسيطة: العدو لا يفرّق بين جيش ومقاومة ومدني، لأنه يستهدف لبنان كله.
الخلاصة: أزمة سلطة أم أزمة رؤية؟
لقد كشف السجال الأخير أن الأزمة ليست أزمة اتفاق فقط، بل أزمة رؤية وطنية كاملة. فبين خطاب بري وقاسم الذي يربط أي تسوية بوقف العدوان والانسحاب والالتزام المتبادل، وخطاب السلطة الذي يركز على متطلبات الداخل اللبناني أكثر من تركيزه على التزامات العدو، يتحدد اليوم جوهر الانقسام السياسي في لبنان.
ولعل السؤال الأهم الذي يفرض نفسه على اللبنانيين اليوم هو: هل تُبنى الدولة القوية عبر مطالبة شعبها بالتخلي عن أوراق قوته بينما يبقى العدو حرًا في فرض شروطه، أم تُبنى عبر فرض معادلة توازن تجبر الجميع على احترام سيادتها وحقوقها؟
إنه السؤال الذي لم يجب عنه الخطاب الرسمي حتى الآن، فيما يزداد إلحاحًا مع كل شهيد يسقط، وكل قرية تُقصف، وكل يوم يثبت فيه العدو أن السلام لا يُبنى على التنازل، بل على القوة التي تمنع فرض الإرادة بالقوة.