من الإمام الخميني إلى معركة السيادة: قراءة فلسفية سياسية في خطاب الشيخ نعيم قاسم

ليست أهمية الخطابات الكبرى في ما تعلنه من مواقف فحسب، بل في قدرتها على إعادة تعريف المفاهيم التي تحكم الصراع. ومن هذه الزاوية يمكن قراءة كلمة الشيخ نعيم قاسم في ذكرى رحيل الإمام روح الله الموسوي الخميني (قدس الله سره الشريف) بوصفها أكثر من خطاب سياسي أو مناسبة تأبينية؛ إنها محاولة لإعادة طرح السؤال الجوهري الذي يواجه لبنان والمنطقة اليوم: ما معنى السيادة؟ وما الفرق بين السلام والاستسلام؟ وأين ينتهي منطق الدولة ويبدأ منطق الخضوع؟

جاء الخطاب في لحظة إقليمية حساسة تتداخل فيها الحروب والمفاوضات، وتتقاطع فيها مشاريع التسوية مع مشاريع الهيمنة. ولذلك لم يكتفِ الشيخ نعيم قاسم باستحضار إرث الإمام الخميني، بل استخدم هذا الإرث بوصفه إطارًا فكريًا لفهم معركة الحاضر، حيث تنتقل المواجهة من ساحات القتال إلى ساحات الوعي السياسي والخيارات الوطنية.

الإمام الخميني: ثورة على التبعية قبل أن تكون ثورة على نظام
يرى الشيخ نعيم قاسم في الإمام الخميني أكثر من كونه قائدًا إيرانيًا قاد ثورة سياسية؛ فهو يمثل نموذجًا حضاريًا أعاد الاعتبار لفكرة الاستقلال ورفض التبعية في مواجهة الهيمنة الدولية. ومن هذا المنطلق يفسّر استمرار الصراع مع الجمهورية الإسلامية باعتباره صراعًا على نموذج الإرادة السياسية الحرة لا على الملفات العسكرية أو النووية فحسب. كما يؤكد أن قوة هذا المشروع تكمن في بنيته الفكرية والعقائدية وقدرته على إنتاج قيادات متعاقبة، ما جعله يستمر من الإمام الخميني إلى سيد شهداء الامة القائد الإمام علي الخامنئي ثم إلى القيادة الحالية رغم الحروب والعقوبات والاغتيالات. وفي السياق نفسه، يقدّم العلاقة بين إيران والمقاومة في لبنان باعتبارها علاقة تحالف ودعم بين مشروعين يلتقيان في مواجهة الاحتلال والدفاع عن الاستقلال، لا علاقة تبعية أو وصاية، حيث تبقى المقاومة، وفق هذا التصور، حركة وطنية تقاتل دفاعًا عن أرضها وشعبها ضمن رؤية مشتركة لمواجهة الهيمنة والعدوان.

السيادة بين فلسفتين متناقضتين
في عمق الخطاب يظهر صراع بين رؤيتين للدولة والسياسة. الرؤية الأولى تعتبر أن البقاء يتحقق بالتكيف مع موازين القوى الدولية، وأن الواقعية السياسية تقتضي تقديم التنازلات المطلوبة لتجنب المواجهة. أما الرؤية الثانية، التي يتبناها الخطاب، فترى أن التنازل عن عناصر القوة لا يحمي الدولة بل يضعها على طريق فقدان ذاتها تدريجيًا.

هنا يعود السؤال الفلسفي القديم: هل الدولة كيان يعيش من أجل البقاء فقط، أم أنها كيان يعيش من أجل الحفاظ على حريته وكرامته أيضًا؟ فمنذ الفلسفة السياسية الكلاسيكية ارتبطت السيادة بامتلاك القرار المستقل. أما الدولة التي تُدار خياراتها الاستراتيجية من الخارج، فهي قد تمتلك مؤسسات وجيشًا وحدودًا، لكنها تفقد جوهر السيادة مهما حافظت على شكلها القانوني.

من المفاوضات إلى الإذعان: نقد المسار القائم
الشق الأكثر حساسية في خطاب الشيخ نعيم قاسم يتمثل في موقفه من المفاوضات المباشرة المطروحة مع العدو الصهيوني برعاية أميركية. فهو لا يتعامل معها بوصفها مجرد مسار دبلوماسي، بل باعتبارها محاولة لفرض ما عجزت الحرب عن فرضه. ولذلك ينقل النقاش من مستوى التفاصيل التقنية إلى مستوى الخيارات الوجودية، حيث يصبح السؤال الحقيقي: هل المطلوب تنظيم النزاع أم إعادة تشكيل هوية لبنان السياسية والأمنية؟

في هذا السياق، يميز الخطاب بين السلام والسيطرة. فالسلام اتفاق بين أطراف تمتلك القدرة على الاختيار، أما السيطرة فهي قبول طرف بشروط الطرف الأقوى تحت وطأة الخوف أو الضغط أو اختلال موازين القوى.
ومن هنا يرفض الخطاب تحويل نزع سلاح المقاومة إلى مدخل لأي اتفاق، لأنه يرى في ذلك انتقالًا من منطق الندية إلى منطق الإذعان، ومن منطق الحقوق إلى منطق الشروط المفروضة.

الاستسلام كحالة ذهنية
لا يتوقف الخطاب عند البعد السياسي، بل يذهب إلى مستوى أعمق يتعلق ببنية الوعي السياسي نفسه.
فالاستسلام، في هذه القراءة، لا يبدأ عندما تُسلَّم الأرض أو تُوقَّع الاتفاقيات، بل عندما تقتنع الدولة أو المجتمع بأن المقاومة مستحيلة، وأن عناصر القوة يجب أن تُسلَّم للخصم مقابل وعود بالأمن والاستقرار. عند هذه النقطة يتحول الخضوع من موقف سياسي مؤقت إلى ثقافة سياسية دائمة، ويصبح التنازل فضيلة، والاعتراض مغامرة، والمطالبة بالحقوق نوعًا من عدم الواقعية. ولهذا فإن الرسالة الأساسية للخطاب ليست الدفاع عن السلاح بحد ذاته، بل الدفاع عن حق المجتمع في الاحتفاظ بعناصر القوة التي تمنحه حرية القرار.

السلاح والسيادة: أيهما يحمي الآخر؟
يطرح الشيخ نعيم قاسم مقاربة مختلفة لمفهوم السيادة مقارنة بما تطرحه السلطة اللبنانية وبعض القوى السياسية.
فبينما يجري تقديم حصرية السلاح بيد الدولة باعتبارها المدخل الأول للسيادة، يرى الخطاب أن السيادة تبدأ أولًا بوقف العدوان وانسحاب الاحتلال وتحرير الأسرى وتأمين الأمن للمواطنين وإعادة إعمار ما دمرته الحرب.
وبذلك يعيد ترتيب الأولويات السياسية، معتبرًا أن النقاش حول مستقبل السلاح قبل إزالة التهديد الخارجي يشبه مطالبة إنسان بالتخلي عن وسائل دفاعه قبل التأكد من زوال الخطر المحدق به. إنها رؤية تعتبر أن القوة ليست نقيض الدولة، بل أحد ضمانات بقائها الحر والمستقل.

من الردع إلى الكرامة الوطنية
يحمل الخطاب أيضًا بعدًا ردعيًا واضحًا عندما يؤكد أن استمرار الاعتداءات على القرى اللبنانية سيقابله استمرار انعدام الأمن لدى المستوطنات المقابلة. لكن أهمية هذه المعادلة لا تكمن فقط في بعدها العسكري، بل في معناها السياسي والفلسفي. فهي تؤكد أن الأمن لا يمكن أن يكون امتيازًا لطرف دون آخر، وأن الاستقرار الحقيقي لا يُبنى على إخضاع شعب لمصلحة شعب آخر، بل على توازن يمنع العدوان ويجعل الجميع مضطرين إلى احترام حقوق الآخرين. ومن هنا يتحول الردع إلى أداة لحماية الكرامة الوطنية، لا مجرد وسيلة عسكرية في إدارة الصراع.

الوحدة الوطنية في مواجهة العدوان
على الرغم من لهجة المواجهة التي تميز الخطاب، فإنه لا يغلق الباب أمام الحوار الداخلي، بل يدعو إلى إعادة ترتيب الأولويات الوطنية.

فالخطر الخارجي، وفق هذه الرؤية، يجب أن يكون عنصر توحيد للبنانيين لا سببًا لمزيد من الانقسام. ولذلك يحمّل السلطة مسؤولية البحث عن مساحات التوافق الوطني بدل تعميق الانقسامات الناتجة عن الخيارات السياسية الحالية. إنه يدعو إلى تفاهم داخلي حول حماية لبنان أولًا، ثم معالجة الخلافات السياسية تحت سقف الدستور والعيش المشترك.

الخلاصة: معركة على معنى السيادة
في النهاية، لم يكن خطاب الشيخ نعيم قاسم مجرد دفاع عن المقاومة أو رفض للمفاوضات، بل كان معركة فكرية حول معنى السيادة نفسها. فالخطاب يعيد طرح سؤال فلسفي عميق: هل وظيفة الدولة أن تدير شروط الخصم أم أن تصنع شروطها الوطنية؟ وهل يتحقق السلام عبر التخلي عن عناصر القوة أم عبر امتلاك القدرة التي تجعل السلام خيارًا متبادلًا لا نتيجة إكراه؟

من هنا تبدو الكلمة أقرب إلى إعلان رؤية متكاملة للصراع الدائر في لبنان والمنطقة. إنها رؤية تعتبر أن التحدي الحقيقي لا يكمن فقط في مواجهة العدو، بل في مواجهة ثقافة الاستسلام ذاتها؛ تلك الثقافة التي تحاول أن تقدم الخضوع على أنه حكمة، والتنازل على أنه واقعية، وفقدان عناصر القوة على أنه الطريق الوحيد لبناء الدولة.
وبين منطق السيادة ومنطق الخضوع، رسم الشيخ نعيم قاسم حدود معركته السياسية والفكرية، معتبرًا أن الأمم لا تُهزم عندما تخسر جولة عسكرية، بل عندما تفقد إرادتها الحرة وتقتنع بأن مستقبلها يجب أن يُكتب بأقلام الآخرين.

المفاوضاتجوزاف عونحزب اللهلبناننتنياهونواف سلام