في معركة واضحة بين الحقّ والباطل لا مجال للحياد، وعلى الرّغم من وضوح الرّؤية وجلاء البصر إلّا أنّ هذا لا يمنع من تعدّد الخيارات، وتشتّت البصيرة، إذ يمكن للمرء أن يحاكي في مواقفه الضّحّاك المشرقيّ الّذي لم يقاتل الحسين(ع) ولكنّه تركه بعدما اتّضحت له نتائج المعركة في كربلاء فوجدها خاسرة لا محالة، وربّما يحاكي الحرّ الرّياحي الّذي لحق بالرّكب فنجا، أو أن يكون كمولى أبي ذرّ (جون) عبدًا صالحًا قد بصُر طريق الحقّ فنصره، ولعلّه يحاكي موقف مالك بن النضر الأرحبي الّذي اعتذر عن عدم نصرة الحسين(ع)، أو يعظم ندمه كمثل ندم عبيد الله بن الحرّ الجعفيّ الّذي كان بصيرًا بالحقّ متخاذلًا عن اتّباعه. والخيار الّذي يجب استبعاده هو محاكاة موقف شمر بن ذي الجوشن أو شبث بن ربعي، أي التّلوّن والتّقلّب والسّقوط المدوّي في هاوية الباطل.
المعركة لن تدوم، فالمعارك ستنتهي عاجلًا أم آجلًا، والأمر سيّان، لأنّ موقفك فيها هو طريقك الأخير، فالمعارك بين الحقّ والباطل هي السّبيل الّذي يجري من خلاله فرز العباد. ستنتهي الحرب، وسيبقى في درب الحقّ قلّة قليلة تنصره، كما عليّ(ع) وكما الحسن والحسين (ع). في المواقف تزلّ الأقدام، فالّذين انقلبوا على الحسين(ع) كانوا من أشدّ الناس ولاءً لأبيه، والّذين انقلبوا على الحسن(ع) كانوا من أكثر النّاس تمسّكًا بالولاء، والّذين انقلبوا على عليّ(ع) كانوا أكثر من أحبّ الرّسول(ص).
العبرة ليست في الولاء أيّام السّلم، إنّما العبرة في الشدائد. قلّة هم الثّابتون في الشّدائد والمحن، قلّة هم الّذين يقفون فوق أطراف الغربال فلا يقربون شباكه حتّى. والله ينصر هذه القلّة، ولا يمكّن لأشرار خلقه.
إنّ الثّقة بالله وحدها طمأنينة، فهو وحده وحده الّذي يشرح الصّدور ويضع الأوزار الّتي تنقض الظّهور وهو الّذي يرفع ذكرنا برجالنا الّذي فرغوا وإلى ربّهم رغبوا فأعاروه جماجمهم مخلصين له الدّين.
فإنّ مع العسر يسرًا، إنّ مع العسر يسرًا.