حين يصبح العقل ساحةَ الاحتلال

لم تعد الحروب الحديثة تحتاج دائمًا إلى طائراتٍ تقصف، أو دباباتٍ تجتاح المدن، فثمة حروب أكثر هدوءًا وأشدّ خطرًا، تبدأ من الكلمة والصورة والفكرة، وتنتهي بتبديل القناعات وتغيير الهويّات. إنّ أخطر ما يمكن أن يُصاب به أيّ شعب ليس احتلال أرضه فقط، بل احتلال عقله، لأنّ الأرض يمكن أن تتحرّر، أمّا الوعي إذا أُسِرَ فقد يتحوّل الإنسان نفسه إلى حارسٍ للهزيمة وهو يظنّ أنّه يحمي وطنه.

وبعد كلّ ما عاشه لبنان والمنطقة من حروبٍ واعتداءات ومجازر، لم يعد ممكنًا التعامل مع ما يجري اليوم وكأنّه مجرّد تبدّلٍ سياسيّ عابر. فالعدوّ الذي فشل في كسر إرادة الشعوب بالنار، يحاول الآن الوصول إلى النتيجة نفسها بوسائل أكثر نعومةً وأشدّ تأثيرًا. فحين تعجز القوّة العسكريّة عن فرض الاستسلام الكامل، تبدأ مرحلة إعادة صياغة العقول، حيث تُقدَّم التنازلات على أنّها حلول، ويُعاد تلميع صورة المعتدي، فيما يُدفَع الناس تدريجيًّا إلى التخلّي عن ذاكرتهم الجماعيّة تحت ضغط الخوف والتعب والأزمات.

لقد حاولت “إسرائيل” طوال عقود فرض واقعٍ يجعل الشعوب تنشغل بأزماتها الداخليّة أكثر من انشغالها بخطر الاحتلال نفسه، لأنّ إنهاك المجتمعات نفسيًّا واقتصاديًّا يفتح الباب أمام اختراق وعيها. ومن هنا يصبح التضليل أخطر من الرصاص، إذ يُراد للإنسان أن يقتنع بأنّ التمسّك بحقوقه عبء، وأنّ القبول بالأمر الواقع هو الطريق الوحيد للحياة.

إنّ الحرب على الوعي لا تبدأ بإلغاء الحقائق دفعةً واحدة، بل بتشويهها تدريجيًّا، حتى يصبح الجيل الجديد بعيدًا عن فهم حقيقة ما جرى، وعن إدراك حجم التضحيات التي حمت الأرض والكرامة. وعندما تُفقد الذاكرة، يصبح من السهل تمرير أيّ مشروعٍ سياسيّ أو ثقافيّ مهما كان خطيرًا، لأنّ الشعوب التي تنسى تاريخها تصبح أكثر قابليةً للخداع.

ولهذا، فإنّ المواجهة الحقيقيّة اليوم ليست فقط مواجهة حدودٍ أو معارك ميدانيّة، بل مواجهة محاولات إعادة تشكيل الإنسان من الداخل، وتحويله إلى كائنٍ خائفٍ أو متردّدٍ أو فاقدٍ للثقة بقضيّته. فالأوطان لا تسقط فقط حين تُحتلّ أراضيها، بل حين يُحتلّ وعي أبنائها، وحين يقتنع الناس بأنّ الهزيمة قدر، وأنّ العدوّ يمكن أن يصبح صديقًا بمجرد تغيّر الخطاب.

إنّ حماية الوعي هي حماية للهويّة والذاكرة والسيادة الحقيقيّة، لأنّ الشعوب التي تعرف تاريخها وتفهم عدوّها لا يمكن اقتلاعها مهما اشتدّت الضغوط، أمّا الشعوب التي يُعاد تشكيل أفكارها وفق ما يريده الآخرون، فقد تخسر نفسها حتى قبل أن تخسر أرضها.