مخاض الميدان والانقلاب المبطن في لبنان

يمر لبنان اليوم بأخطر مراحل صراعه التاريخي، حيث تلاشت الخطوط الرمادية وظهر انقسام عمودي حاد؛ ليس على أسس طائفية أو مذهبية تقليدية، بل هو انقسام وطني وسياسي فرز الساحة إلى ضفتين: جبهة مخلصة ترتضى الدفاع عن الهوية الوطنية والسيادة الحقيقية بالدماء، وفي المقابل، مسار سياسي رسمي يمعن في التآمر والارتهان، مستغلاً الحرب لفرض أجندة استسلامية تحت مسمى “المفاوضات”.

تأسيسًا على هذا الواقع، يمكن قراءة المشهد وتطوراته وفق الأبعاد التالية:
الانقلاب الداخلي وإحياء الأوهام الانعزالية
ما نشهده اليوم من سلوك لبعض القيادات العسكرية والسياسية، وعلى رأسهم جوزيف عون بالتناغم مع الطروحات البطريركية، ليس معزولاً عن عقدة تاريخية قديمة. إنها محاولة مبطنة لإحياء أمجاد “المارونية السياسية” والانعزالية التي ميزت فترة الأربعينيات (ثنائية بشارة الخوري والمطران مبارك)، والتي كانت تحلم دائمًا بإقامة كيان يتماهى مع المشاريع الغربية والصهيونية على حساب الهوية العربية للبنان.

هذا المشروع يدار اليوم بأدوات ميكانيكية عبر مستشارين يوجهون البوصلة نحو اليمين الانعزالي (أمثال جان عزيز)، بهدف تصفية الحسابات مع المكون الذي أرّق المستعمرين عبر التاريخ -من العثمانيين والفرنسيين وصولاً إلى الأميركي والإسرائيلي- وهو مكون المقاومة والجنوب، عبر الإصرار على نزع شرعية السلاح وتنظيف الجنوب لحساب الأجندة الخارجية.

فخ الترتيبات الأمنية والتطبيع المبطن
إن المسار التفاوضي الذي تقوده قوى السلطة برعاية شخصيات مثل نواف سلام لا يستهدف وقف إطلاق النار لحماية اللبنانيين، بل يشكّل منصة لاستثمار المعاناة الإنسانية والتدمير والتهجير لفرض شروط إذعان أميركية-إسرائيلية. والخطورة الكبرى تكمن في محاولة إلزام الدولة اللبنانية باتفاقيات إطار تمهّد عمليًا لمسار تطبيعي متدرّج تحت عنوان “الترتيبات الأمنية”.

وتبرز خطورة هذا المسار في أن أي انتقال من حالة العداء الرسمي بين لبنان والعدو الإسرائيلي إلى منطق “التنسيق الأمني” أو “الضمانات المتبادلة” سيترتب عليه تلقائيًا نسف البنية القانونية والسيادية التي حكمت العلاقة منذ قيام الكيان المحتل، بما يشمل:
إلغاء قانون مقاطعة إسرائيل 1955 باعتباره يتناقض مع أي مسار تفاوضي أو تنسيق مباشر.
إسقاط تجريم التواصل مع العدو، وتحويل الاتصالات السياسية والأمنية والاقتصادية إلى أمر واقع محمي قانونيًا.
فرض تنسيق أمني مباشر بين الجيش اللبناني وجيش الاحتلال تحت عناوين “الاستقرار” و”منع التصعيد”.
تحويل مؤسسات الدولة والجيش إلى أداة تصادمية مع بيئة المقاومة بدل حماية السيادة الوطنية.

وبذلك، لا تعود المسألة مجرد ترتيبات ميدانية مؤقتة، بل انتقال تدريجي من حالة الصراع والعداء التاريخي إلى إعادة تعريف العدو كشريك أمني وسياسي، وهو ما يشكّل أخطر أشكال التطبيع المقنّع وأكثرها قدرة على التسلل إلى بنية الدولة والقانون والمجتمع.

حتمية الميدان وسقوط “فقاعات واشنطن”
كل ما يصدر عن أروقة واشنطن أو الخارجية الأميركية من وثائق وشروط ومبادرات، ما هي إلا فقاعات دبلوماسية قلقة وضغوط نفسية لن تساوي الحبر الذي كتبت به. وإن التوهم بالذكاء السياسي من خلال إصدار تصريحات توحي بوحدة الموقف الرسمي لا ينطلي على أحد.

الكلمة الفصل كانت وستبقى للميدان في الجنوب؛ فصمود المقاومين وثباتهم هو الصخرة التي ستتحطم عليها شروط نتنياهو الساعي لتحقيق انتصار وهمي لامتصاص إخفاقاته البرية، وهي التي ستجهض محاولات ترامب لتسجيل إنجازات سريعة على حساب دماء اللبنانيين وكرامتهم.

التموضع الإقليمي: التحول السعودي ومحورية طهران
إن محاولات الالتفاف الداخلي تسابق الزمن قبل نضوج تفاهمات إقليمية ودولية كبرى. فالقرار الفعلي لوقف النار والترتيبات الإستراتيجية بات مرتبطًا بطهران أكثر من أي وقت مضى، وسط سباق للوصول إلى تفاهمات أميركية-إيرانية برعاية صينية وباكستانية.

وفي هذا السياق، يبرز تحول لافت في السلوك السعودي؛ إذ تبدي الرياض عدم حماسة للمشروع الإسرائيلي التدميري، وتنحو نحو التهدئة والانفتاح على “عين التينة” (الرئيس بري)، بالتوازي مع سعيها لصياغة وثيقة “عدم اعتداء” مع إيران. هذا المتغير الإقليمي سيمكن إيرادات المحور من استثمار النفوذ السعودي ككبح جماح الاندفاعة الأميركية، ويدشن مرحلة جديدة يعود فيها لبنان محصنًا بعمق المحور وبوحدة ساحاته.

الخلاصة والسيناريوهات
بين الاستنزاف البري والتهويل السياسي، يتأرجح لبنان بين مسارين: إما الانزلاق نحو الفوضى (الحد الأدنى) إذا أصر فريق الداخل على تنفيذ الإملاءات الأميركية ومحاولة الصدام مع المقاومة على الأرض، وهو ما لن تسمح به الأخيرة إطلاقاً.
وإما فرض معادلة النصر: بسقوط المشاريع الورقية تحت أقدام المقاتلين في الجنوب، لتأتي التسوية الإقليمية الكبرى بالشروط التي تحفظ عزة وكرامة لبنان والمنطقة، وتثبت أن كل ما حيك في الظلام لم يكن سوى أوهام لن تكتب لها الحياة.