في السابع عشر من أيار عام 1983، لم يكن لبنان أمام اتفاقٍ سياسيٍّ عابر، ولا أمام تسويةٍ فرضتها موازين القوى فحسب، بل كان يواجه واحدةً من أخطر المحاولات لإعادة صياغة هويته الوطنية، وربطه بالمشروع الصهيوني تحت لافتة “السلام” و”الضمانات الأمنية”.
يومها، حاولت السلطة اللبنانية بقيادة أمين الجميّل، وبرعايةٍ أميركية مباشرة، أن تمنح الاحتلال الإسرائيلي ما عجز عن انتزاعه بالحرب والاجتياح والمجازر، وأن تُحوّل دماء اللبنانيين والفلسطينيين التي سُفِكت منذ اجتياح عام 1982 إلى ورقة تفاوضٍ باردة على طاولة الاستسلام.
لقد جاء اتفاق 17 أيار بعد واحدةٍ من أكثر المراحل قتامةً في تاريخ لبنان الحديث؛ بعد حصار بيروت، وعقب مجزرة صبرا وشاتيلا الرهيبة، وفي ظل احتلالٍ صهيونيٍّ تمدّد من الجنوب حتى قلب العاصمة مدعوماً بغطاءٍ أميركيٍّ كامل. وكان المطلوب يومئذٍ تثبيت نتائج الاجتياح سياسيًا، وتحويل لبنان إلى دولةٍ منزوعة الإرادة والسيادة، لا تملك حق المقاومة ولا حق تقرير مصيرها خارج الإرادة الأميركية والإسرائيلية.
ولذلك، لم يُنظر إلى هذا الاتفاق بوصفه “خيارًا دبلوماسيًا” يحتمل وجهات نظر مختلفة، بل بوصفه مشروع خضوعٍ كامل؛ لأنّ جوهره لم يكن إنهاء الاحتلال، بل تنظيم العلاقة معه، وتقييد لبنان أمنيًا وسياسيًا بما يخدم مصالح الكيان الصهيوني. ولهذا السبب تحديدًا، انفجر الرفض الشعبي والوطني في الشارع اللبناني، وتحركت القوى الوطنية والإسلامية، والتفّ حولها الناس الذين أدركوا غريزيًا أنّ ما عجزت عنه الدبابات والآلات العسكرية، يحاول الأعداء تمريره بالحبر والتواقيع.
سيبقى اتفاق الذلّ مع الصهاينة في 17 أيار 1983 عاراً يُلاحق آل الجميّل كما يُلاحقُ أنور السادات في قبره، كما سيُلاحقُ كلّ مطبّعٍ جديدٍ في لبنان من أركانِ الدولةِ الخانعة. هذا العار غسلهُ المؤمنون المجاهدون آنذاك بدمهم في شباط عام 1984 انطلاقاً من مسجد الإمام الرضا (ع) في بئر العبد، حين تحوّلت الإرادة الشعبية إلى انتفاضةٍ حقيقية أسقطت المشروع الأميركي – الإسرائيلي، وأسقطت معه الاتفاق وكلّ ما مثّله من إذلالٍ وارتهان.
لقد أثبتت أحداث شباط 1984 أن هذه البيئة المجاهدة لا تقبل أن تُنتزع منها كرامتها، فسقط الاتفاق المشؤوم قبل أن يتحوّل إلى واقعٍ قائم، وسقط معه وهمُ القدرة على جرّ لبنان إلى مستنقع التطبيع والاستسلام.
إنّ أخطر ما في ذكرى 17 أيار اليوم ليس الماضي بحدّ ذاته، بل محاولات إعادة إنتاج الفكرة نفسها بأشكالٍ وأقنعةٍ جديدة: عبر الدعوات المبطنة إلى “الواقعية السياسية”، أو تصوير العدو الصهيوني كأمرٍ واقعٍ لا يمكن مقارعته، أو عبر السعي الحثيث لتحويل المقاومة إلى عبءٍ داخلي يجلبُ الدمار والخراب وتهوينها والنيل منها، بدل كونها عامل الحماية الوحيد والأساسي الذي حمى لبنان سابقًا -ولا يزال يحميه- من الابتلاع الكامل والعدوان المستمر.
لكنّ التاريخ اللبناني، المعمّد بالدماء والتجارب القاسية، يثبت بوضوح أنّ هذا البلد لم ينجُ يومًا بالمساومات والاتفاقات الهشة مع الاحتلال، بل بصمود المجاهدين الذين رفضوا الاعتراف بالاحتلال. ولذلك، سيبقى 17 أيار وصمةً سياسية وأخلاقية تلاحق صانعيها، بينما يظل المقاومون الذين أسقطوه وكسروا قيد المقايضة، منارةً في ذاكرة الكرامة الوطنيّة.