باب المندب: حين يتحول الموقع الاستراتيجي إلى فرصة ضائعة! (2/1)

في لحظات التحولات الكبرى، لا تُقاس قوة الدول بما تملكه من إمكانيات، بل بما تحسن توظيفه من تلك الإمكانيات. واليمن، رغم ما يمر به من عدوان وحصار، لا يزال يمتلك واحدة من أهم هذه الأوراق، موقعه الجغرافي الفريد، وعلى رأسه مضيق «باب المندب»، ذلك الشريان البحري الذي يربط الشرق بالغرب ويختصر المسافات بين قارات العالم.

غير أن السؤال المؤلم الذي يفرض نفسه اليوم: لماذا تبدو هذه الورقة وكأنها خارج الحسابات الفعلية للسلطة في صنعاء؟ ولماذا يُدار هذا الملف الحيوي بقدر من البرود لا يتناسب مع حجم التحديات المفروضة على البلاد؟!

في ظل تصعيد إقليمي واسع، واضطرابات تمس ممرات بحرية أخرى (مضيق هرمز)، كان من المتوقع أن تعيد صنعاء صياغة معادلة الردع مع تحالف قوى العدوان السعودي الأميركي، وأن تلوّح -على الأقل- باستخدام أدواتها الجيوسياسية للضغط من أجل رفع الحصار المفروض من قبل تحالف العدوان وإنهاء حالة العدوان المستمرة، لكن الواقع يعكس حالة من التردد أو الحسابات الضيقة التي لا تواكب حجم معاناة الشعب ولا مستوى التهديد.

إن السلطة في صنعاء اليوم مطالبة، أكثر من أي وقت مضى، بالتخلي عن لغة المناورات المترددة والضرب بيد من حديد على الطاولة الدولية، ففي ظل التصعيد الإقليمي وإغلاق مضيق هرمز، يصبح بقاء باب المندب مفتوحًا -كما هو- ليس مجرد غفلة سياسية، بل خطيئة استراتيجية يدفع ثمنها المواطن اليمني من قوته ودمه.

إن استمرار فتح باب المندب بشكل اعتيادي، في وقت يُخنق فيه اليمن اقتصاديًا ويُحاصر شعبه إنسانيًا، يطرح تساؤلات مشروعة حول جدوى هذا النهج، لأن المعادلات السياسية لا تُبنى على حسن النوايا، بل على توازن المصالح والضغوط، وإذا كانت الأطراف الأخرى تستخدم كل ما لديها من أدوات لإخضاع اليمن، فمن المنطقي أن يُعاد النظر في كيفية إدارة أوراق القوة المتاحة، لأنه من غير المقبول منطقيًا ولا أخلاقيًا أن تظل السفن التجارية وناقلات النفط التابعة لدولتي العدوان (السعودية والإمارات) ومن خلفهما الداعم الأميركي والإسرائيلي، تعبر مياهنا الإقليمية بكل طمأنينة، بينما تُمنع عن ميناء الحديدة أبسط مقومات الحياة، ​لماذا يظل شريان التجارة العالمية مفتوحًا في وجه من يغلقون شرايين حياتنا؟ إن استمرار هذا الوضع هو بمثابة إعطاء «صك أمان» مجاني للمعتدي ليواصل حصاره دون أن يخشى فقدان مصالحه الكبرى.

​إن الضغط على العدوان السعودي الإماراتي لن يؤتي ثماره عبر رهان التفاوض تحت الطاولة وفي الخفاء، بل عبر فرض معادلة «الألم المتبادل» من خلال إغلاق باب المندب فورًا، لتدرك القوى الدولية أن أمن الطاقة العالمي ليس أهم من أمن الإنسان اليمني، لذلك فإن معادلة الحصار بالحصار هي المجدية، فإذا كان اليمن محاصرًا، فلتُحاصر مصادر الطاقة الخليجية ولتُمنع من التصدير، عندها إما سلام شامل وحقيقي يضمن رفع الحصار بالكامل واستكمال التسوية السياسية، أو فليتحمل العالم تبعات إغلاق أهم الممرات المائية، فلم يعد هناك متسع للدبلوماسية الناعمة، فالعدوان السعودي الإماراتي الأميركي الإسرائيلي لا يفهم إلا لغة القوة وتعطيل المصالح.

لذلك على السلطة في صنعاء أن تدرك أن شرعيتها تستمدها من قدرتها على حماية كرامة هذا الشعب الصامد. إن إغلاق باب المندب ليس مجرد «خيار عسكري»، بل هو ضرورة وجودية لانتزاع السيادة الوطنية، لأنه كما يقال «إن من يملك مفتاح الباب ولا يغلقه في وجه اللص الذي ينهب بيته، هو شريك في الجريمة بالصمت أو بالتردد».

​وعليه، لقد آن الأوان لصنعاء إن تُعيد حساباتها في الصراع القائم مع قوى العدوان، وتحويل باب المندب من ممر تجاري إلى ورقة ضغط كبرى تجبر تحالف العدوان على الرضوخ لشروط السلام العادل، أو الغرق في فوضى اقتصادية عالمية سيكونون هم أول ضحاياها، لأن عملية السلام الحقيقية لا يمكن أن تقوم على اختلال فادح في موازين القوة، وإذا كانت صنعاء تسعى إلى فرض معادلة جديدة تضمن رفع الحصار وإنهاء العدوان بشكل شامل، فإن ذلك يتطلب إعادة تعريف أدوات التأثير، والتعامل مع الموقع الاستراتيجي لليمن بوصفه عنصر قوة لا مجرد واقع جغرافي.

أما بقاء باب المندب مفتوحًا في ظل استمرار الحصار فهو استنزاف لكرامة اليمنيين، ولذلك المطلوب اليوم قرار شجاع يضع «النقاط على الحروف» إما أن نتنفس جميعًا، أو يختنق الجميع.

وفي النهاية يجب أن تعرف القيادة في صنعاء، أن الدول لا تُحترم لأنها تطلب السلام، بل لأنها تعرف كيف تفرض شروطه، وبين خيار الانتظار وخيار الفعل، يبقى السؤال مفتوحًا: إلى متى سيظل باب المندب مجرد ممر، لا ورقة إستراتيجية هامة يمكن من خلالها تحقيق مكاسب وطنية كبرى؟!

الاماراتالسعوديةاليمنباب المندب