خرج رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو ببيان يحمل في طياته الكثير من الرسائل الموجهة للداخل والخار.ج لكن القراءة المتأنية في تفاصيل هذا الخطاب ومقارنتها بالواقع الجيوسياسي والعسكري تكشف عن سلسلة من الادعاءات التي تهدف إلى صناعة نصر افتراضي يتجاوز الحقائق على الأرض.
تزييف السيطرة الجغرافية المتصلة
يدعي نتنياهو فرض منطقة أمنية تمتد من البحر وصولًا إلى مزارع شبعا ومداخل حرمون، إلا أن الواقع العسكري ينفي وجود شريط متصل تحت سيطرة مستقرة، وما يشهده الجنوب هو اشتباكات في نقاط حدودية متفرقة تتسم بالسيولة العالية حيث يعجز الجيش الإسرائيلي عن تثبيت نقاط تمركز دائمة دون التعرض لضربات استنزافية مستمرة، فالسيطرة الحالية هي تسللات مؤقتة وليست سيطرة جغرافية تسمح بإدارة منطقة أمنية بالمعنى العسكري.
توظيف المنطقة الأمنية كأداة تعبئة سيكولوجية
استخدم نتنياهو مصطلحات مثل منطقة معززة للإيحاء بتغيير استراتيجي جذري بينما يندرج هذا الكلام تحت بند الاستثمار السياسي والسيكولوجي، فهو يحاول طمأنة المستوطنين النازحين بأن الحدود أصبحت آمنة عبر تبديل المسميات في حين أن أي وجود عسكري داخل الأراضي اللبنانية يظل هدفًا مشروعًا ما يجعل هذه المنطقة ساحة استنزاف لا حزام أمان.
مناورة الوقف المؤقت لمدة عشرة أيام
الحديث عن وقف إطلاق نار لمدة عشرة أيام لمحاولة دفع اتفاق واشنطن يحمل خداعًا تفاوضيًا، فهذه المدة ليست مهلة زمنية بقدر ما هي أداة ضغط سياسي يحاول نتنياهو من خلالها تصوير “إسرائيل” كطرف مستجيب للدعوات الدولية مع إبقاء سيف التهديد مصلتًا وواقعيًا، فإن المعضلات الأمنية والسيادية لا تحل في أيام لكنه يستخدم هذا السقف الزمني لفرض شروطه تحت ضغط الوقت.
تضخيم الربط بين الجبهة اللبنانية والملف الإيراني
إقحام اسم الرئيس ترامب والحديث عن تفكيك القدرات النووية والحصار البحري هو محاولة لرفع سقف التوقعات وربط الصراع المحلي بصراع إقليمي شامل، فالحصار البحري وتفكيك البرنامج النووي هدفان استراتيجيان كبيران يتجاوزان قدرة الميدان الحالي وهما مجرد هروب للأمام لتغطية غياب الحسم العسكري في القرى الأمامية.
إن تصريحات نتنياهو لا تعكس تغييرًا في موازين القوى بقدر ما تعكس رغبة في ترميم صورته السياسية، فهو يسعى لتحويل الانسحاب الحتمي مستقبلًا إلى تنازل سياسي مشروط محاولًا إيهام الجمهور بأن الجيش الإسرائيلي لا يزال يمسك بزمام المبادرة بينما الواقع يتحدث عن صمود ميداني يمنع تحول أي نقطة حدودية إلى مستقر آمن للاحتلال.