نحو عالم متعدد الأقطاب بالقوة: كيف تدفع أزمة هرمز الصين وإيران وروسيا إلى تحالف جديد

في ظل المشهد الدراماتيكي الذي يشهده ربيع عام 2026، يبدو أن النظام الدولي يمر بمرحلة مخاض عسيرة، حيث تحولت مدينة إسلام آباد من منصة محتملة لصياغة “سلام تاريخي” إلى شاهد على انهيار آخر جسور الثقة بين واشنطن وطهران. هذا التعثر الدبلوماسي لم يكن مجرد اختلاف على بنود تقنية في الملف النووي، بل كان انعكاسًا لعمق الفجوة بين رؤية أميركية تصر على استعادة الهيمنة المطلقة، وإرادة إيرانية تستند إلى تحالفات شرقية متينة.

​ومع وصول المفاوضات إلى طريق مسدود، جاء قرار الرئيس الأميركي دونالد ترامب بفرض حصار شامل على مضيق هرمز ليمثل ذروة التصعيد العسكري والسياسي. هذا القرار لا يعد مجرد إجراء لتجفيف منابع التمويل الإيراني، بل هو محاولة لفرض “وصاية بحرية” على أهم شريان طاقة في العالم. إن التلويح بمنع عبور الناقلات التي لا تمتثل للإرادة الأميركية يضع القانون الدولي في مواجهة مباشرة مع القوة العشواء، ويحول الممر المائي الذي يمر عبره نحو خمس النفط العالمي إلى “صندوق بارود” قابل للانفجار عند أي احتكاك بسيط بين البوارج الأميركية وزوارق الحرس الثوري.

​أما الصين، التي تراقب المشهد بحذر مشوب بالقلق، فتجد نفسها في وضع لا تحسد عليه. فالحصار الأميركي على هرمز يمثل طعنة في قلب مبادرة “الحزام والطريق” وتهديدًا مباشرًا لأمن الطاقة الصيني، حيث ترتبط مصانع بكين وشرايين حياتها الاقتصادية بتدفق النفط الخليجي.

إن الضغط الأميركي هنا يتجاوز طهران ليصل إلى بكين، في محاولة واضحة لابتزاز التنين الصيني وإضعاف موقفه التفاوضي في ملفات التجارة والتكنولوجيا. وتأتي تصريحات وزير الدفاع الصيني بلهجتها الصارمة لترسم خطًا أحمر جديدًا؛ فبكين التي كانت تكتفي سابقًا بالبيانات الدبلوماسية، بدأت تلمح اليوم إلى أن أمن الممرات المائية هو مسؤولية دولية وليس “امتيازًا أميركيًا”، ما يفتح الباب أمام احتمالية تسيير دوريات صينية مشتركة أو تقديم دعم عسكري ولوجستي مباشر لحلفائها في المنطقة.

​إن المشهد العالمي والإقليمي يتجه اليوم نحو “تعددية قطبية قسرية”، حيث تدفع الضغوط الأميركية القوى المتضررة إلى بناء تكتلات دفاعية واقتصادية موازية. نحن لا نتحدث فقط عن احتمالية نشوب حرب خاطفة في الخليج، بل عن إعادة صياغة كاملة لخارطة التحالفات؛ حيث تتقارب المصالح الصينية والروسية والإيرانية بشكل غير مسبوق لمواجهة “الأحادية القطبية” المتجددة. وإذا استمر هذا الانسداد، فإن العالم مقبل على صيف ساخن تتجاوز فيه حرارة السياسة كل التوقعات، حيث ستكون أسعار النفط، واستقرار الأسواق العالمية، وأمن الملاحة الدولية، هي الضحايا الأولى لسياسة “حافة الهاوية” التي تتبعها القوى الكبرى في صراعها على السيادة والنفوذ.

الصينايرانباب المندبترامبروسيامضيق هرمز