شدّوا ركابكم!

احصل على تحديثات في الوقت الفعلي مباشرة على جهازك ، اشترك الآن.

سريعًا هرع رئيس الحكومة نجيب ميقاتي إلى مكتبه، مساء أمس، حمل القلم والورقة وقال لمستشاريه: شوروا عليَّ!

لا يُحسد ميقاتي على الموقف الذي وضع نفسه فيه، فهو قد اختار طوعًا السعودية قِبلة سياسية عندما “اختير” رئيسًا لحكومة لبنان في هذا الظرف العصيب. ظنّ الرجُل أن مبايعته الملك السعودي ونجله من بكركي قد تشفع له باتصال سعودي، حتى وإنْ من موظف صغير في الديوان الملكي أو حتى السفارة الفارغة في بيروت. بالطبع هذا ليس من ضمن أجندة الساسة السعوديين في هذه المرحلة، فإن الوقت الحالي يراه ابن سلمان مناسبًا لحصار لبنان تمهيدًا لإخضاعه، ربطًا بالمعارك السعودية، السياسية والعسكرية، الكثيرة المفتوحة في الإقليم، والتي يصبّ خراجها في الصندوق الإسرائيلي.

في حقيقة الأمر، يصعب على بعض الطبقة السياسية في لبنان الانفكاك من رهانها على المعسكر الأميركي – السعودي، وهي مضطرة عند كل حدث إلى أن تنتظم في صفوف متراصّة خلف التعليمة الآتية من السفارة، كانتظامهم على باب خيمة السفير وليد البخاري. المشكلة ليست فقط في الانسياق الأعمى لهؤلاء، إنما في كميّة الإذلال التي يتعمّد راعيهم ممارستها بحقهم، كأن ينشط الذباب الإلكتروني، مثلًا، بعد خطاب الأمين العام لحزب الله السيّد حسن نصر الله، على تويتر، ليستدعي فنّانين لبنانيين وسياسيين وإعلاميين ويطالبهم بالاسم بمهاجمة السيّد لإثبات الولاء، فينتظمون مرّة أخرى بفي صفوف افتراضية متراصّة تنفيذًا لرغبة الراعي الجلف.

هذه نوعية من النُّخب التي تجد نفسك مضطرًا للتعايش معها في لبنان، والأنكى أنها تسند لنفسها صلاحية تصنيف اللبنانيين بين عميل ووطني، مثقف وجاهل، “كلاس” و”رتش”. وإذا اتخذنا ميقاتي نموذجًا لهولاء، فهو لم “تنعر” حسّه الوطني الإساءات المتكرِّرة التي دأبت السعودية على توجيهها إلى لبنان الشعب والدولة، وآخرها تصريحات ملكها ضد شريحة واسعة من اللبنانيين باتهامها بالإرهاب، بما شكّله ذلك من إساءة كبرى لمقدّسات هؤلاء اللبنانيين وفي طليعتها دماء شهدائهم وتضحيات مقاوميهم في وجه العدو الصهيوني.

وإرضاءً للسعودية، وبدل أن يُسارع دولته، الذي يُفترض أنه وفق الدستور رئيس حكومة جميع اللبنانيين، إلى الدفاع عمّن يمثل دستوريًّا، فإنه ارتد ضد الداخل اللبناني، وأطلق عبارات التشكيك بولاءات جزء كبير من هذا الشعب بكل ما يمثله تاريخيًّا وحاضرًا ومستقبلًا، استجداءً لرضى من يصرّ على الاستمرار في الإساءة إلى اللبنانيين جميعًا وفي طليعتهم موقع رئاسة الحكومة، فضلًا عن رئيسها.

وأخيرًا، وكما عبّر عضو كتلة الوفاء للمقاومة النائب حسن فضل الله في بيانه، فإنَّ انتماء المقاومة إلى وطنيتها اللبنانية لا يحتاج إلى مناداة من أحد، أو شهادات بلبنانيتها، لأنها تمثّل الانتماء الحقيقي الصادق لوطنها، وقد كرّسته بدماء شهدائها وتضحيات شعبها، يوم تخلّى الكثيرون عن هويتهم الوطنية، ومن خلال هذه المقاومة والموقف منها تقاس حقيقة الانتماء الوطني، كما أنّ قيادتها المخلصة والشجاعة تعبّر عن تطلعات غالبية اللبنانيين للعيش بحرية وكرامة، لأنَّ أكثر ما يسيء إلى لبنان ودوره ونديَّة علاقاته الخارجية تخلي بعض مسؤوليه عن واجبهم الوطني في الدفاع عن دولتهم ومصالح شعبهم، وعدم الإقلاع عن مهاتراتهم، وتسجيل المواقف في حساب ممالك لن ترضى عنهم مهما قدموا من تنازلات وهدروا من ماء وجههم.

ومن “عندياتنا” نقول لسياديي السفارات: هذا العالم لا يحترم إلا القوي… شدوّا ركابكم!

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.