هل بدأ العالم الاستعداد لمرحلة ما بعد هيمنة الدولار؟

تشرين الأول 21, 2026 مايا صادق 8 قراءة 1 دقائق قراءة

لقاء نقدي مغلق في شنغهاي بمشاركة أوروبية يفتح أسئلة عن مستقبل العملة الأميركية، وسط مساعٍ صينية لتوسيع دور اليوان ورغبة أوروبية في تعزيز مكانة اليورو.

لم يكن اللقاء الذي استضافته مدينة شنغهاي الصينية، في 21 تشرين الأول/أكتوبر 2026، مجرد مناسبة جديدة لتبادل الآراء حول الاقتصاد العالمي. فالعنوان الذي اختير له، «النظام النقدي الدولي بعد الدولار»، والمشاركة الأوروبية فيه، أعادا طرح سؤال قديم يتجدد كلما اهتزت الأسواق المالية أو تصاعد الخلاف بين القوى الاقتصادية الكبرى: هل يستطيع العالم الاستغناء عن هيمنة الدولار الأميركي، أم أن الحديث عن بديل له لا يزال أبعد من الواقع؟

اللافت في اللقاء المغلق مشاركة فيليب لين، كبير الاقتصاديين في البنك المركزي الأوروبي، إلى جانب مسؤولين وخبراء صينيين. فهذه المشاركة لا تعني أن أوروبا قررت الانضمام إلى مشروع صيني لإنهاء الدور العالمي للدولار، لكنها تكشف أن البحث عن نظام نقدي أكثر تنوعاً لم يعد مقتصراً على الدول التي تختلف سياسياً مع واشنطن.

وبحسب وكالة رويترز، تناول لين خلال مشاركته سبل توسيع الدور الدولي لليورو، ولا سيما من خلال توفير السيولة بالعملة الأوروبية للمصارف المركزية الأجنبية. وأشار إلى اهتمام أكثر من ثلاثين مصرفاً مركزياً بهذه التسهيلات، في خطوة يسعى البنك المركزي الأوروبي من خلالها إلى جعل اليورو أكثر حضوراً في المعاملات والتمويل الدوليين.

قد تبدو هذه التفاصيل تقنية بالنسبة إلى غير المتخصصين، لكنها تمسّ جانباً أساسياً من النظام النقدي العالمي. فالعملة لا تصبح دولية بمجرد استخدامها في التبادل التجاري، بل تحتاج إلى مؤسسات مالية وأسواق واسعة واحتياطيات يمكن اللجوء إليها عند الأزمات. ومن دون هذه الشروط، يصعب على أي عملة أن تنافس الدولار، مهما كانت قوة الاقتصاد الذي يقف وراءها.

الصين لا تريد البقاء تحت رحمة الدولار

منذ سنوات، تعمل بكين على تخفيف اعتمادها على الدولار في التجارة والتمويل والاحتياطيات. وقد دعا محافظ بنك الشعب الصيني، بان غونغشنغ، في وقت سابق، إلى نظام نقدي متعدد الأقطاب، محذراً من المخاطر التي تنشأ عندما يعتمد الاقتصاد العالمي بصورة مفرطة على عملة دولة واحدة.

تقوم وجهة النظر الصينية على حجة اقتصادية واضحة: القرارات التي تتخذها الولايات المتحدة لمعالجة مشكلاتها الداخلية لا تبقى آثارها داخل حدودها. فعندما يرفع الاحتياطي الفيدرالي أسعار الفائدة، تتأثر كلفة الاقتراض في أنحاء واسعة من العالم، وتواجه الدول المدينة بالدولار أعباء إضافية، وقد تتعرض عملات الأسواق الناشئة لضغوط شديدة نتيجة انتقال رؤوس الأموال نحو الأصول الأميركية.

وتضاف إلى ذلك الاعتبارات السياسية. فقد أظهرت العقوبات المالية التي فرضتها واشنطن وحلفاؤها على دول مختلفة أن الاعتماد على الدولار وعلى البنية المصرفية المرتبطة به قد يتحول إلى مصدر ضعف في أوقات النزاعات الدولية.

لهذا تسعى الصين إلى توسيع استخدام اليوان في مبادلاتها التجارية، وتطوير أنظمة دفع وتسوية تتيح إجراء معاملات خارج القنوات التقليدية التي يهيمن عليها الدولار.

لكن بين الطموح الصيني والواقع مسافة لا يمكن تجاهلها. فاليوان لم يصبح حتى الآن عملة دولية قابلة لمنافسة الدولار على قدم المساواة. ولا تزال القيود المفروضة على حركة رؤوس الأموال في الصين، وطبيعة أسواقها المالية، تحدّ من قدرته على التحول إلى ملاذ رئيسي لاحتياطيات المصارف المركزية والمستثمرين الدوليين.

بمعنى آخر، تستطيع الصين توسيع استخدام عملتها في تجارتها الخارجية، لكن إقناع العالم بالاحتفاظ بجزء كبير من ثرواته باليوان مسألة مختلفة تماماً.

وماذا تريد أوروبا؟

قد تكون هذه النقطة الأكثر أهمية في لقاء شنغهاي. فأوروبا ليست في موقع الصين، ولا تتبنى بالضرورة دوافعها السياسية. وهي، رغم خلافاتها الاقتصادية المتكررة مع الولايات المتحدة، تبقى مرتبطة بها بعلاقات تجارية ومالية وأمنية واسعة.

ومع ذلك، فإن الاعتماد الكبير على الدولار ليس مريحاً دائماً للاقتصاد الأوروبي.

فكلما اتسع الدور الدولي لليورو، ازدادت قدرة أوروبا على تمويل تجارتها واستثماراتها بعملتها الخاصة، وتراجعت حاجتها إلى المرور بالدولار في بعض المعاملات.

ومن هنا يمكن فهم اهتمام البنك المركزي الأوروبي بتوفير تسهيلات للسيولة باليورو خارج منطقة العملة الأوروبية. فوجود شبكة واسعة من المصارف المركزية القادرة على الحصول على اليورو عند الحاجة يجعل استخدامه أكثر جاذبية، خصوصاً في أوقات اضطراب الأسواق.

وكان البنك المركزي الأوروبي قد وسّع في شباط/فبراير 2026 نطاق بعض التسهيلات المخصصة للمصارف المركزية الأجنبية، ضمن توجه يرمي إلى دعم الدور الدولي للعملة الأوروبية.

ولا يعني ذلك أن بروكسل وفرانكفورت قررتا خوض مواجهة نقدية مع واشنطن. لكن أوروبا تدرك أن امتلاك عملة دولية قوية يمنحها هامشاً أوسع من الاستقلال الاقتصادي، ويقلل تعرضها للصدمات الآتية من الخارج.

وهكذا تلتقي المصلحة الأوروبية مع المصلحة الصينية عند نقطة محددة، هي تقليص الاعتماد المفرط على الدولار، من دون أن يعني ذلك اتفاق الطرفين على البديل أو على الطريقة التي ينبغي أن يتطور بها النظام النقدي العالمي.

الدولار يتراجع، لكنه لا يفقد موقعه بسهولة

على الرغم من كثرة الحديث عن نهاية الهيمنة الأميركية، فإن الأرقام لا تزال تعطي صورة مختلفة.

فبحسب بيانات صندوق النقد الدولي الصادرة في 30 أيلول/سبتمبر 2026، استحوذ الدولار على نحو 56.7 في المئة من احتياطيات النقد الأجنبي العالمية في نهاية الربع الثاني من السنة، مقابل نحو 20.6 في المئة لليورو و2.1 في المئة لليوان الصيني.

صحيح أن حصة الدولار تراجعت مقارنة بمستوياتها التاريخية، لكن الفارق بينه وبين أقرب منافسيه لا يزال كبيراً.

ولفهم أسباب هذا التفوق، لا يكفي النظر إلى حجم الاقتصاد الأميركي. فالدولار يستند إلى شبكة مالية عالمية تشكلت على مدى عقود، تشمل أسواق السندات والمصارف والمؤسسات الاستثمارية وشركات التأمين والتجارة الدولية.

وتحتل سندات الخزانة الأميركية مكانة خاصة في هذه المنظومة، إذ تعد من أكثر الأصول المالية تداولاً وسيولة، وتستخدمها المصارف المركزية والمستثمرون في إدارة احتياطياتهم ومحافظهم.

وهنا تكمن إحدى الصعوبات التي تواجه العملات المنافسة. فليس المطلوب مجرد إيجاد عملة أخرى، بل إيجاد أسواق قادرة على استيعاب تريليونات الدولارات من الاستثمارات والاحتياطيات، مع توفير درجة مرتفعة من السيولة والثقة وإمكان الدخول والخروج منها بسهولة.

ولا تتوافر هذه الشروط بالقدر نفسه في جميع الاقتصادات الكبرى.

لذلك، فإن تراجع حصة الدولار، إذا استمر، قد يكون تدريجياً وطويل الأمد، وليس تحولاً مفاجئاً ينتقل فيه العالم من عملة مهيمنة إلى أخرى.

ارتفاع كلفة الدين الأميركي يزيد الأسئلة

يأتي هذا النقاش في وقت تواجه فيه الولايات المتحدة ضغوطاً مرتبطة بارتفاع كلفة الاقتراض واتساع أعباء الدين العام.

وقد دارت عوائد سندات الخزانة الأميركية لأجل عشر سنوات حول مستوى 5.1 في المئة خلال الأيام الأخيرة، وهو مستوى يعكس ارتفاع تكلفة التمويل طويل الأجل.

لكن من الضروري عدم الخلط بين ارتفاع عوائد السندات وضعف الدولار. فقد ترتفع العوائد نتيجة توقعات التضخم أو السياسة النقدية أو المخاوف المالية، وقد تجعل الأصول الأميركية أكثر جاذبية في بعض الظروف.

المشكلة الأعمق تتعلق بمدى قدرة الولايات المتحدة على مواصلة تمويل احتياجاتها الكبيرة بكلفة مقبولة، مع المحافظة على ثقة المستثمرين الدوليين.

فكلما ارتفعت تكلفة خدمة الدين، ازدادت حساسية المالية العامة الأميركية لتحركات أسعار الفائدة.

ومن الطبيعي أن تراقب المصارف المركزية هذه التطورات عند اتخاذ قراراتها بشأن توزيع الاحتياطيات بين الدولار واليورو والذهب والعملات الأخرى.

لكن إعادة توزيع الاحتياطيات لا تحصل بين ليلة وضحاها، لأن أي تغيير واسع وسريع قد يؤدي إلى خسائر مالية واضطرابات في الأسواق، بما فيها الأسواق التي تحتفظ فيها الدول نفسها بأصول ضخمة.

الذهب يعود إلى الواجهة

ليس اليورو واليوان وحدهما المستفيدين المحتملين من البحث عن بدائل للدولار.

فقد ازداد اهتمام عدد من المصارف المركزية بالذهب بوصفه وسيلة لتنويع الاحتياطيات وتقليل الاعتماد على الأصول المالية المرتبطة بدولة معينة.

ويختلف الذهب عن العملات، لأنه لا يمثل التزاماً على حكومة أو مصرف مركزي. لكنه، في المقابل، لا يوفر الفوائد النقدية نفسها، كما أن سعره يتعرض لتقلبات قد تكون حادة.

ويعكس هذا التوجه جانباً من القلق الذي يساور الدول بشأن مستقبل النظام المالي العالمي، خصوصاً مع تصاعد النزاعات الجيوسياسية واستخدام العقوبات الاقتصادية.

وفي الوقت نفسه، يجري تطوير أنظمة دفع جديدة تسمح بتسوية بعض المعاملات التجارية بالعملات المحلية.

غير أن الدفع بعملة غير الدولار لا يعني بالضرورة التخلي عنه كعملة احتياط. فقد تتفق دولتان على تسوية جزء من تجارتهما بعملتيهما، بينما تواصل مصارفهما المركزية الاحتفاظ بمعظم احتياطياتها بالدولار أو اليورو.

وهذا الفارق يفسر لماذا يمكن أن تتقدم محاولات تقليص استخدام الدولار في التجارة، من دون أن يرافقها تراجع مماثل في دوره داخل النظام المالي العالمي.

النفط والسلع أمام احتمالات جديدة

إذا اتسع استخدام العملات البديلة، فإن أسواق النفط والمواد الأولية ستكون من المجالات التي تستحق المتابعة.

فالدولار لا يزال يؤدي دوراً أساسياً في تسعير النفط والعديد من السلع المتداولة دولياً، الأمر الذي يجعل تغير قيمته مؤثراً في الدول المستوردة والمصدرة على السواء.

وقد تسمح التسويات بعملات أخرى لبعض الدول بتقليص حاجتها إلى الدولار في معاملاتها الثنائية، لكن تغيير العملة المرجعية التي تستخدمها الأسواق العالمية لتسعير النفط ليس مسألة بسيطة.

فهذه الأسواق ترتبط بعقود آجلة وأدوات تحوط ومؤسسات تمويل وتأمين تعمل ضمن منظومة مالية واسعة.

ومن ثم، فإن الانتقال إلى تسعير عالمي بديل يحتاج إلى أكثر من اتفاق تجاري أو قرار سياسي.

والأرجح أن يظهر التنويع أولاً في وسائل الدفع والتسوية، قبل أن ينعكس بصورة واسعة على العملات المستخدمة في تسعير السلع وتداولها عالمياً.

ماذا يعني ذلك للعالم العربي ولبنان؟

قد يبدو الحديث عن نظام نقدي عالمي جديد بعيداً عن الاهتمامات اليومية للمواطن العربي، لكنه يرتبط بصورة مباشرة بكلفة المعيشة والديون والتجارة وأسعار الطاقة.

فالدول العربية التي تربط عملاتها بالدولار تتأثر بدرجات متفاوتة بالسياسة النقدية الأميركية، خصوصاً في ما يتعلق بأسعار الفائدة وتدفقات رؤوس الأموال.

أما الدول التي تعتمد على الاستيراد، فتتأثر بأسعار السلع العالمية وبالتقلبات التي تطرأ على العملات المستخدمة في التجارة الدولية.

وبالنسبة إلى الدول التي تتحمل ديوناً كبيرة بالدولار، فإن ارتفاع الفوائد الأميركية قد يزيد أعباء خدمة الدين ويجعل الحصول على التمويل الخارجي أكثر صعوبة.

وفي المقابل، يمكن لتوسيع استخدام اليورو أو العملات الأخرى أن يوفر خيارات إضافية في التجارة والتمويل وإدارة الاحتياطيات، شرط ألا يتحول التنويع نفسه إلى مصدر مخاطر جديدة.

أما في لبنان، حيث أصبح الدولار جزءاً أساسياً من التعاملات الاقتصادية والتسعير والادخار، فإن أي تراجع تدريجي في مكانته العالمية لن يؤدي تلقائياً إلى تغيير هذا الواقع.

فالدولرة في لبنان ترتبط بأزمة الثقة بالنظام النقدي والمصرفي وبالتجارب الاقتصادية التي مر بها البلد، وليس فقط بمكانة الدولار في الاقتصاد الدولي.

ومع ذلك، فإن التحولات الجارية تستحق المتابعة اللبنانية، لما قد تحمله من انعكاسات على كلفة الواردات، والتمويل الخارجي، وإدارة الاحتياطيات، والعلاقات التجارية مع أوروبا والصين.

ما بعد الدولار أم ما بعد احتكاره؟

ربما يكون من المبكر الحديث عن عالم بلا دولار. فالعملة الأميركية لا تزال تتمتع بتفوق واضح في الاحتياطيات الدولية وأسواق التمويل، ولا يوجد حتى الآن منافس يمتلك جميع المقومات اللازمة للحلول محلها.

لكن ذلك لا يعني أن النظام القائم سيبقى على حاله.

فالصين تسعى إلى توسيع دور اليوان، وأوروبا تريد تعزيز مكانة اليورو، والمصارف المركزية تبحث عن توزيع أكثر تنوعاً لاحتياطياتها، فيما تتطور وسائل الدفع والتسوية خارج القنوات التقليدية.

وما جرى في شنغهاي لا يمثل إعلاناً عن تحالف نقدي جديد بين الصين وأوروبا، ولا بداية مؤكدة لانتهاء هيمنة الدولار. لكنه يكشف أن مستقبل النظام النقدي الدولي أصبح موضع نقاش جدي لدى مؤسسات اقتصادية كبرى، وأن بعض الأطراف بدأت تطوير أدوات عملية لتوسيع الخيارات المتاحة أمامها.

وقد يكون السؤال الأكثر دقة اليوم ليس متى ينتهي الدولار، بل ما إذا كان سيبقى قادراً على الاحتفاظ بالحصة نفسها من النفوذ النقدي والمالي في عالم تتزايد فيه المنافسة الاقتصادية وتتبدل فيه موازين القوى.

فالعالم لا يبدو متجهاً بالضرورة إلى الاستغناء عن الدولار، لكنه يبحث بصورة متزايدة عن طريقة تجعله أقل اعتماداً عليه. وهذا، بحد ذاته، تحول يستحق المتابعة.