من الخليج إلى شوارع الغرب.. هل بدأت الحروب البعيدة تثقل كاهل الأميركيين والأوروبيين؟

تشرين الأول 19, 2026 جورج ملتقى 7 قراءة 1 دقائق قراءة

تثير التظاهرات التي تشهدها الولايات المتحدة وفرنسا، وما يرافقها من تحركات احتجاجية في عدد من الدول الأوروبية، تساؤلات تتجاوز المطالب التي يرفعها المحتجون. فهل نحن أمام أزمات داخلية منفصلة، أم أن ما يجري في منطقة الخليج، من مواجهات عسكرية وحصار واضطراب في حركة الملاحة والتجارة، بدأ يلقي بظلاله على حياة المواطنين في الدول الغربية؟

قد يبدو الربط بين الاحتجاجات في باريس وواشنطن والتطورات في الخليج بعيدًا للوهلة الأولى، لكن الاقتصاد العالمي يجعل المسافات الجغرافية أقل أهمية مما كانت عليه. فما يحدث في ممر مائي مثل مضيق هرمز يمكن أن يصل أثره إلى محطات الوقود والمصانع والأسواق الأوروبية والأميركية، وإن لم يكن المواطن العادي على دراية بتفاصيل الصراع الدائر هناك.

ومع ذلك، فإن تفسير التظاهرات الغربية انطلاقًا من الأزمة الخليجية وحدها سيكون استنتاجًا متسرعًا، لأن أسباب الغضب الشعبي في هذه الدول أقدم من المواجهات الأخيرة، وأكثر تعقيدًا من أن تُختزل في ارتفاع أسعار النفط أو اضطراب التجارة الدولية.

احتجاجات تختلف أسبابها ويتشابه بعض همومها
في فرنسا، خرج المتظاهرون إلى الشوارع احتجاجًا على أوضاع اجتماعية واقتصادية وسياسات حكومية أثارت استياء قطاعات واسعة من المواطنين. وتداخلت المطالب المتعلقة بالتعليم والخدمات العامة والقدرة الشرائية مع غضب متراكم من ارتفاع تكاليف المعيشة.

وليست فرنسا غريبة عن هذا النوع من الاحتجاجات. فقد شهدت منذ سنوات تحركات اجتماعية واسعة، كان أبرزها احتجاجات «السترات الصفراء» التي انطلقت عام 2018 على خلفية زيادة الضرائب على الوقود، قبل أن تتحول إلى حركة احتجاجية أوسع ضد السياسات الاقتصادية والاجتماعية.

أما في الولايات المتحدة، فتتداخل الاحتجاجات مع الانقسامات السياسية الداخلية والاعتراض على سياسات الرئيس دونالد ترامب، فضلًا عن المخاوف المرتبطة بالاقتصاد وتكاليف المعيشة والسياسة الخارجية.

وعلى الرغم من اختلاف الظروف بين البلدين، فإن هناك قاسمًا مشتركًا يستحق التوقف عنده، يتمثل في شعور قطاعات من المواطنين بأن الأعباء الاقتصادية تتزايد، بينما تبدو قدرة الحكومات على معالجتها محدودة، أو أن أولوياتها لا تنسجم مع الاحتياجات اليومية للسكان.

وهذا الشعور لا يرتبط بالضرورة بالحرب في الخليج، لكنه قد يتفاقم بفعل تداعياتها الاقتصادية.

كيف يصل الحصار في الخليج إلى الأسواق الغربية؟
تكمن أهمية الخليج في أنه ليس مجرد منطقة منتجة للنفط والغاز، بل أحد المراكز الرئيسية التي يعتمد عليها الاقتصاد العالمي في الحصول على الطاقة.

ويمثل مضيق هرمز أحد أهم الممرات البحرية لنقل النفط والغاز. وعندما تتعرض الملاحة فيه للتهديد، أو تفرض إجراءات حصار على موانئ في المنطقة، فإن التأثير لا يقتصر على الدول المعنية بالمواجهة، بل يمتد إلى الأسواق العالمية.

فالنفط سلعة تُسعَّر عالميًا، وأي اضطراب كبير في إمداداته أو في طرق نقله يمكن أن يؤدي إلى ارتفاع أسعاره، حتى في الدول التي تنتج النفط ولا تعتمد مباشرة على الواردات الخليجية.

ولا تتوقف المسألة عند أسعار الوقود. فارتفاع تكاليف الطاقة يزيد نفقات النقل والإنتاج الصناعي والزراعي، وقد ينعكس على أسعار المواد الغذائية والسلع الاستهلاكية والخدمات.

ويضاف إلى ذلك ارتفاع تكاليف التأمين على السفن والشحن البحري عندما تتزايد المخاطر الأمنية، الأمر الذي يحمّل الشركات أعباء إضافية، ينتقل جزء منها في نهاية المطاف إلى المستهلك.

وهكذا يمكن أن تتحول مواجهة عسكرية في الخليج إلى عامل ضغط على ميزانية أسرة تعيش في باريس أو بروكسل أو إحدى المدن الأميركية.

وقد أظهرت تقارير وكالة الطاقة الدولية خلال عام 2026 أن اضطرابات إمدادات الطاقة وحركة النقل البحري أسهمت في زيادة الضغوط على الأسواق، فيما حذرت المفوضية الأوروبية من التداعيات المحتملة لاستمرار صدمات الطاقة على النمو الاقتصادي والتضخم.

هل بدأت الحكومات الغربية تدفع ثمن المواجهة؟
من الطبيعي أن تحاول الحكومات الغربية الحد من انعكاسات ارتفاع أسعار الطاقة على اقتصاداتها، لكن قدرتها على ذلك ليست مطلقة.

فالدعم الحكومي يحتاج إلى موارد مالية، وخفض الضرائب يقلص الإيرادات العامة، بينما قد يؤدي استمرار التضخم إلى إبقاء تكاليف الاقتراض مرتفعة، بما يزيد صعوبة تمويل الإنفاق العام والاستثمارات.

وتصبح المشكلة أكثر تعقيدًا عندما تتزامن الضغوط الخارجية مع أزمات داخلية قائمة أصلًا، مثل ارتفاع أسعار السكن وتراجع بعض الخدمات العامة والبطالة أو ضعف نمو الأجور.

وفي مثل هذه الظروف، لا يحتاج المواطن إلى معرفة تفاصيل الحصار البحري أو مواقف الأطراف المتحاربة حتى يشعر بالنتائج الاقتصادية للصراع.

فما يعنيه في نهاية الشهر هو مقدار ما تبقى من دخله بعد دفع فواتير الكهرباء والتدفئة والوقود والسكن والغذاء.

وهنا قد تتحول الأزمة الاقتصادية إلى أزمة ثقة سياسية، خصوصًا إذا شعر المواطن بأن حكومته تنفق موارد كبيرة على التزامات خارجية، بينما تطالبه في الداخل بتحمل إجراءات تقشفية أو أعباء ضريبية إضافية.

لكن هذا لا يعني أن جميع المتظاهرين يعارضون السياسة الغربية تجاه الخليج، أو أنهم يربطون بصورة مباشرة بين تراجع مستويات معيشتهم والحرب الدائرة في المنطقة. فإثبات مثل هذه العلاقة يتطلب استطلاعات رأي ودراسات ميدانية، لا مجرد ملاحظة تزامن الاحتجاجات مع التصعيد العسكري.

أوروبا أكثر حساسية لاضطرابات الطاقة
تختلف قدرة الدول الغربية على مواجهة صدمات الطاقة باختلاف بنيتها الاقتصادية ومصادر إمداداتها.

فالولايات المتحدة تمتلك إنتاجًا كبيرًا من النفط والغاز، ما يمنحها قدرًا من المرونة، وإن كان لا يعزل المستهلك الأميركي عن تقلبات الأسعار العالمية.

أما أوروبا، فقد واجهت خلال السنوات الماضية تحديات متلاحقة في تأمين الطاقة، ولا سيما بعد الحرب الروسية الأوكرانية والتحولات التي طرأت على مصادر إمدادات الغاز والنفط.

ومن شأن أي اضطراب جديد في الخليج أن يضيف ضغوطًا إلى اقتصادات أوروبية ما زالت تتعامل مع آثار أزمات سابقة.

ولا تتوزع هذه الضغوط بالتساوي بين الدول الأوروبية. فبعضها أكثر اعتمادًا على الواردات، وبعضها يمتلك مصادر طاقة بديلة أو قدرة مالية أكبر على حماية المستهلكين والشركات.

ومع ذلك، فإن استمرار ارتفاع تكاليف الطاقة والنقل يمكن أن ينعكس على القدرة التنافسية للصناعة الأوروبية، وعلى أسعار السلع والخدمات، وبالتالي على المزاج الاجتماعي والسياسي.

ومن هذه الزاوية، يمكن فهم احتمال اتساع الاحتجاجات في بعض الدول الأوروبية، لكن ليس باعتباره نتيجة حتمية للحصار في الخليج، بل احتمالًا يتوقف على تطور الأوضاع الاقتصادية وطريقة تعامل الحكومات معها.

من يتحمل التكلفة الحقيقية للصراع؟
ثمة جانب آخر لا يحظى دائمًا بما يستحقه من الاهتمام، يتعلق بالفارق بين الأهداف السياسية والعسكرية للحروب وبين نتائجها الاقتصادية الفعلية.

فالدولة التي تلجأ إلى الحصار أو العقوبات أو الضغط العسكري قد تسعى إلى إضعاف خصمها وإجباره على تغيير سلوكه، لكنها لا تستطيع التحكم الكامل في النتائج الاقتصادية التي تترتب على هذه الإجراءات.

وقد تتضرر دول حليفة أو شريكة من ارتفاع أسعار الطاقة وتعطل التجارة، كما قد تواجه الشركات والمستهلكون في الدولة التي تفرض الحصار نفسها أعباء غير متوقعة.

وبذلك تصبح المواجهة الاقتصادية سلاحًا لا تتوقف آثاره عند حدود الطرف المستهدف.

غير أن حجم هذه الأضرار يتوقف على طبيعة الحصار ومدته ومدى الالتزام به، وعلى قدرة الأسواق على إيجاد طرق بديلة للإمداد والنقل.

ولذلك، فإن الحديث عن حصار متبادل في الخليج ينبغي أن يقترن بتحديد الإجراءات الفعلية التي اتخذها كل طرف، بدل التعامل مع جميع التهديدات والإجراءات العسكرية والاقتصادية وكأنها شيء واحد.

هل تتجه الاحتجاجات إلى موجة غربية أوسع؟
لا توجد حتى الآن أدلة كافية تسمح بالقول إن الاحتجاجات في الولايات المتحدة وفرنسا ودول أوروبية أخرى تشكل حركة واحدة، أو أنها نتاج مباشر للصراع في الخليج.

فلكل بلد مشكلاته السياسية والاجتماعية، ولكل حركة احتجاجية مطالبها وقواها المنظمة وظروفها الخاصة.

لكن استمرار الاضطرابات الاقتصادية الدولية قد يوفر أرضية مشتركة لاتساع الغضب الشعبي، ولا سيما إذا استمرت أسعار الطاقة والسلع الأساسية في الارتفاع، أو اضطرت الحكومات إلى اتخاذ إجراءات اقتصادية غير شعبية.

وقد تجد الأحزاب المعارضة والنقابات والحركات الاجتماعية في هذه الظروف فرصة لتوسيع مطالبها، وربط المشكلات المعيشية بالخيارات الاقتصادية والسياسية للحكومات.

ومع ذلك، فإن انتقال الاحتجاجات من بلد إلى آخر ليس أمرًا تلقائيًا. فقد تتشابه الأزمات الاقتصادية من دون أن تؤدي إلى النتائج السياسية نفسها، لأن مستوى الثقة بالمؤسسات، وقوة التنظيمات الاجتماعية، وطبيعة النظام السياسي، كلها عوامل تؤثر في حجم التحركات واتجاهاتها.

الخليج بعيد جغرافيًا.. لكنه حاضر اقتصاديًا
ربما يكون من المبالغة القول إن التظاهرات في باريس وواشنطن بدأت بسبب ما يجري في الخليج، لكن من الصعب أيضًا تجاهل التأثير الاقتصادي الذي يمكن أن تتركه المواجهات هناك على الدول الغربية.

فالعلاقة بين الحرب والاحتجاجات ليست بالضرورة علاقة مباشرة، وإنما تمر عبر سلسلة من العوامل الاقتصادية والاجتماعية.

تبدأ هذه السلسلة باضطراب إمدادات الطاقة والتجارة، وقد تمر بارتفاع تكاليف الإنتاج والنقل والسلع، قبل أن تصل إلى القدرة الشرائية للمواطنين وإلى مستوى رضاهم عن أداء حكوماتهم.

وإذا كانت الأزمات الداخلية هي التي تدفع كثيرين إلى الشوارع، فإن الصراعات الخارجية قد تزيد تلك الأزمات تعقيدًا، وتحد من قدرة الحكومات على احتوائها.

وهنا تكمن المفارقة: فالدول التي تخوض المواجهات أو تشارك في فرض الضغوط الاقتصادية قد تجد نفسها مضطرة إلى التعامل مع نتائج هذه السياسات داخل مجتمعاتها أيضًا.

ولعل ما يجري اليوم يذكّر بحقيقة كثيرًا ما تغيب وسط الحسابات العسكرية والسياسية، وهي أن كلفة الحروب لا يدفعها المتحاربون وحدهم، وأن الحصار الاقتصادي قد يترك آثاره في أماكن بعيدة عن الموانئ والممرات البحرية المستهدفة.

فليس بالضرورة أن يكون المتظاهر في باريس أو واشنطن معنيًا بما يحدث في مضيق هرمز، لكن ما يحدث في المضيق قد يكون معنيًا، بصورة أو بأخرى، بما يدفعه ذلك المتظاهر من ثمن الوقود والغذاء والخدمات.

ومن هنا، فإن السؤال الذي يستحق المتابعة ليس ما إذا كانت الأزمة الخليجية قد صنعت الاحتجاجات الغربية، بل مقدار ما يمكن أن تضيفه إلى أسباب الغضب القائمة، وما إذا كانت الحكومات ستنجح في حماية اقتصاداتها ومواطنيها من تداعيات صراع يبدو بعيدًا جغرافيًا، لكنه شديد القرب من حياتهم اليومية.