مقدمة
لم يكن فوز لويس إيناسيو لولا دا سيلفا في الانتخابات الرئاسية البرازيلية مجرد عودة لرئيس سبق أن شغل المنصب، بل جاء في لحظة سياسية حساسة تعيش فيها البلاد انقسامًا واضحًا بين اليسار واليمين، وسط تحديات اقتصادية واجتماعية متراكمة، وتوترات في علاقاتها الخارجية، ولا سيما مع الولايات المتحدة.
ويكتسب هذا الفوز أهمية تتجاوز حدود البرازيل، فهي أكبر دول أميركا اللاتينية، وتمتلك ثقلًا اقتصاديًا وسياسيًا يجعل مواقفها مؤثرة في القضايا الدولية. كما أن عودة لولا تعني، إلى حد بعيد، استئناف سياسة خارجية تقوم على تنويع الشراكات، وتعزيز العلاقات مع دول الجنوب العالمي، وتوسيع التعاون مع العالم العربي، مع الإبقاء على قنوات التواصل مع إيران.
لكن عودة لولا لا تعني أن الطريق أمامه سيكون سهلًا. فالمجتمع البرازيلي لا يزال منقسمًا، والضغوط الاقتصادية قائمة، والعلاقة مع واشنطن مرشحة لمزيد من التجاذب. ومن هنا، تبرز أسئلة أساسية حول قدرة الرئيس البرازيلي على تنفيذ برنامجه الداخلي، واستعادة الدور الدولي الذي سعى إلى ترسيخه خلال ولايتيه السابقتين، ومدى انعكاس ذلك على علاقات بلاده بالعالم العربي وإيران.
المشهد السياسي البرازيلي: فوز لا ينهي الانقسام
لفهم نتيجة الانتخابات، لا بد من العودة إلى طبيعة الصراع السياسي الذي شهدته البرازيل خلال السنوات الماضية. فقد تحوّل التنافس بين لولا والتيار الذي يمثله جايير بولسونارو إلى مواجهة تتجاوز الاختلاف حول السياسات الاقتصادية، لتشمل قضايا الهوية الاجتماعية، ودور الدولة، والسياسات البيئية، وحدود العلاقة بين السلطات، وموقع البرازيل في النظام الدولي.
يمثل لولا وحزب العمال تيارًا يولي أهمية كبيرة للبرامج الاجتماعية ومكافحة الفقر وتقليص الفوارق بين الطبقات، ويرى أن للدولة دورًا أساسيًا في تحقيق التنمية وتوفير الخدمات. في المقابل، يستند التيار المحافظ إلى قاعدة انتخابية واسعة تضم قطاعات من رجال الأعمال والناخبين المتدينين، إلى جانب فئات تضع الأمن والنظام العام والحد من تدخل الدولة في الاقتصاد ضمن أولوياتها.
وقد أظهرت الانتخابات أن الانقسام بين الطرفين لا يزال عميقًا. ففوز لولا لا يعني أن خصومه فقدوا نفوذهم، ولا أنه حصل على تفويض يسمح له بتجاوز المعارضة. بل إن استمرار الحضور القوي للتيار المحافظ يجعل التوافق مع القوى السياسية الأخرى شرطًا أساسيًا لتمرير القوانين وتنفيذ البرامج الحكومية.
وتواجه الحكومة كذلك تحديات اقتصادية تتعلق بالإنفاق العام والضرائب والنمو وفرص العمل. لذلك، لن يكون نجاح لولا مرهونًا بوعوده الانتخابية وحدها، بل بقدرته على تحقيق نتائج ملموسة يشعر بها المواطن البرازيلي، ولا سيما الفئات التي تنتظر تحسنًا في مستوى المعيشة والخدمات.
وبهذا المعنى، فإن فوزه لا يضع حدًا للصراع بين اليمين واليسار، بل يفتح فصلًا جديدًا منه. وستكون قدرة لولا على إدارة هذا الانقسام، بدلًا من تعميقه، أحد أبرز العوامل التي ستحدد مستقبل تجربته الرئاسية.
تجربة لولا السابقة: إنجازات اجتماعية وتحديات مستمرة
تعود أهمية لولا السياسية إلى تجربته الرئاسية الأولى، التي امتدت من عام 2003 إلى عام 2010. فقد ارتبطت تلك المرحلة بتوسيع برامج مكافحة الفقر، وتقديم الدعم للفئات محدودة الدخل، وتحسين فرص الوصول إلى التعليم والخدمات الأساسية. كما استفادت البرازيل آنذاك من الظروف الاقتصادية الدولية، ولا سيما ارتفاع الطلب على المواد الأولية والمنتجات الزراعية.
وتمكن لولا خلال تلك السنوات من تعزيز صورة البرازيل بوصفها دولة صاعدة تسعى إلى توسيع دورها الدولي. فلم يحصر سياسته الخارجية في العلاقة مع الولايات المتحدة وأوروبا، بل عمل على بناء شراكات أوسع مع الصين والهند وروسيا ودول أميركا اللاتينية وأفريقيا والشرق الأوسط. وكان الهدف من ذلك تعزيز استقلال القرار البرازيلي وفتح أسواق جديدة أمام الاقتصاد الوطني.
ومع ذلك، لم تكن تلك التجربة خالية من المشكلات. فقد واجه حزب العمال فضائح واتهامات بالفساد ألحقت الضرر بسمعته، وأصبحت هذه القضايا جزءًا أساسيًا من الصراع السياسي في البلاد. كما بقيت تحديات الفقر والتفاوت الاجتماعي والإنتاجية قائمة، رغم ما تحقق من تقدم في بعض المجالات.
وعندما عاد لولا إلى الرئاسة عام 2023، حاول إحياء جانب من سياساته الاجتماعية واستعادة حضور البرازيل الدبلوماسي، مع إعطاء اهتمام أكبر للقضايا البيئية والتعاون الدولي. غير أن الظروف التي يواجهها اليوم تختلف عن تلك التي رافقت ولايتيه الأوليين؛ فالتنافس بين القوى الكبرى أصبح أكثر حدة، والاقتصاد العالمي أكثر اضطرابًا، والمجتمع البرازيلي أشد استقطابًا.
لذلك، لا يمكن النظر إلى عودة لولا باعتبارها تكرارًا لتجربته السابقة. فالتحدي أمامه هو الاستفادة من خبرته السياسية، مع التعامل مع واقع اقتصادي ودولي أكثر تعقيدًا، وفي ظل معارضة داخلية لا تزال تمتلك نفوذًا واسعًا.
واشنطن ولولا: خلافات تتجاوز الاختلاف الأيديولوجي
تشكّل العلاقة مع الولايات المتحدة أحد أبرز الاختبارات التي تواجه السياسة الخارجية البرازيلية. فالبلدان تربطهما مصالح اقتصادية وتجارية واستثمارية مهمة، لكنهما لا يتفقان دائمًا على كيفية إدارة العلاقات الدولية أو على حدود النفوذ الأميركي في أميركا اللاتينية.
يتبنى لولا نهجًا يقوم على تنويع العلاقات الخارجية، وتعزيز دور البرازيل في المؤسسات الدولية، وتوسيع التعاون مع الصين ودول مجموعة بريكس. وهو يرى أن بلاده، بحجمها الاقتصادي ومكانتها الإقليمية، ينبغي أن تمتلك هامشًا واسعًا من الاستقلال في اتخاذ قراراتها، وألا تكون خياراتها الخارجية مرتبطة بمواقف واشنطن وحدها.
في المقابل، تنظر الولايات المتحدة إلى أميركا اللاتينية باعتبارها منطقة ذات أهمية استراتيجية مباشرة، وتحرص على حماية مصالحها الاقتصادية والسياسية فيها. وقد ظهرت الخلافات بين الطرفين في ملفات التجارة، وفي المواقف من بعض القضايا الدولية، وكذلك في التعامل مع المشهد السياسي البرازيلي خلال السنوات الأخيرة.
وتصاعد التوتر بصورة ملحوظة خلال عام 2025، مع الخلافات المتعلقة بالرسوم التجارية الأميركية على المنتجات البرازيلية، بالتزامن مع الجدل حول محاكمة الرئيس السابق جايير بولسونارو والإجراءات التي اتخذتها المؤسسات القضائية البرازيلية. وقد وضع ذلك العلاقات الثنائية أمام اختبار صعب، وأثار نقاشًا داخل البرازيل حول كيفية الدفاع عن المصالح الوطنية من دون الإضرار بالتجارة والاستثمار.
ومن المهم هنا التمييز بين معارضة واشنطن لبعض سياسات لولا وبين القول إنها تعارض البرازيل بصورة شاملة. فالعلاقة بين البلدين تقوم على مصالح متشابكة، ولا يمكن لأي منهما تجاهل أهمية الآخر بسهولة. ولذلك، يُرجح أن يستمر التوتر في بعض الملفات، بالتوازي مع محاولات احتواء الخلافات وتجنب التصعيد الذي قد يضر بالاقتصادين.
وبالنسبة إلى لولا، فإن المسألة الأساسية تتمثل في تحقيق توازن دقيق: الدفاع عن استقلال القرار البرازيلي، مع الحفاظ على علاقات اقتصادية مستقرة مع الولايات المتحدة. وهذا التوازن لن يكون سهلًا، خصوصًا إذا استمرت الخلافات التجارية أو حاول أي من الطرفين استخدام أدوات الضغط الاقتصادي لتحقيق أهداف سياسية.
العلاقات مع العالم العربي: مصالح اقتصادية وتقارب سياسي
احتلت العلاقات مع العالم العربي مكانة مهمة في سياسة لولا الخارجية خلال ولايتيه الأوليين. فقد سعى إلى توسيع حضور البرازيل في الشرق الأوسط، وتعزيز التواصل مع الدول العربية، انطلاقًا من قناعته بأن مصالح بلاده لا ينبغي أن تقتصر على شركائها التقليديين في أميركا الشمالية وأوروبا.
وشملت هذه السياسة زيارات واتصالات رسمية مع عدد من الدول العربية، إلى جانب دعم الحوار بين دول أميركا الجنوبية والدول العربية. ولم تكن هذه التحركات مجرد نشاط دبلوماسي، بل جاءت في إطار محاولة بناء علاقات أكثر تنوعًا، تتيح للبرازيل توسيع أسواقها وتعزيز حضورها السياسي والاقتصادي خارج محيطها الإقليمي.
وتستند العلاقات البرازيلية العربية إلى قاعدة اقتصادية مهمة. فالبرازيل من الدول الكبرى المصدرة للمنتجات الزراعية والغذائية واللحوم، فيما تمثل الأسواق العربية وجهة مهمة لهذه الصادرات. وفي المقابل، توفر الدول العربية فرصًا للتعاون في مجالات الطاقة والأسمدة والاستثمار والبنية التحتية، فضلًا عن إمكانات أوسع في مجالات الصناعة والتكنولوجيا.
كما تلعب الروابط الثقافية دورًا في تعزيز هذه العلاقات، إذ تضم البرازيل جالية كبيرة من أصول عربية، وهو ما يوفر أرضية اجتماعية تساعد على استمرار التواصل بين الجانبين.
أما سياسيًا، فقد أبدى لولا اهتمامًا واضحًا بالقضية الفلسطينية، ودعا إلى إيجاد تسوية سياسية تضمن حقوق الشعب الفلسطيني. ومن المتوقع أن يستمر هذا التوجه، بما قد يعزز التقارب مع الدول العربية التي ترى في القضية الفلسطينية أولوية سياسية وإنسانية.
لكن من الضروري عدم المبالغة في تقدير أثر هذا التقارب. فالدول العربية ليست كتلة سياسية واحدة، وتختلف مصالحها وعلاقاتها الدولية من دولة إلى أخرى. كما أن البرازيل، مهما اتسع تعاونها مع العالم العربي، ستظل حريصة على علاقاتها مع الولايات المتحدة وأوروبا والصين وغيرها من القوى الاقتصادية الكبرى.
ومن المرجح، بناءً على ذلك، أن تسعى حكومة لولا إلى تطوير العلاقات العربية من خلال التجارة والاستثمار والحوار السياسي، مع المحافظة على مساحة من التوازن في مواقفها الدولية.
إيران والبرازيل: تقارب دبلوماسي تحكمه حسابات معقدة
شكّلت إيران أحد الملفات التي أثارت الاهتمام خلال ولاية لولا الأولى، خصوصًا مع سعي البرازيل إلى توسيع دورها الدبلوماسي في القضايا الدولية. وقد شهدت العلاقات بين البلدين نشاطًا سياسيًا ملحوظًا، وتبادلًا للزيارات الرسمية، وبرز هذا التقارب بصورة خاصة خلال عام 2009، عندما زار الرئيس الإيراني محمود أحمدي نجاد البرازيل.
ووصل التعاون الدبلوماسي إلى محطة مهمة عام 2010، حين شاركت البرازيل وتركيا في محاولة للتوصل إلى اتفاق بشأن البرنامج النووي الإيراني. وكانت المبادرة تعبيرًا عن رغبة لولا في إثبات أن الدول الصاعدة قادرة على الإسهام في معالجة الأزمات الدولية، بدلًا من ترك إدارة الملفات الكبرى حكرًا على القوى التقليدية.
وقد استند الموقف البرازيلي إلى تفضيل الحوار والتفاوض على التصعيد، مع التأكيد على أهمية الحلول الدبلوماسية في معالجة الخلافات المتعلقة بالبرنامج النووي الإيراني. لكن هذا النهج لم يكن يعني أن البرازيل تتبنى جميع المواقف الإيرانية أو أنها تسعى إلى بناء تحالف استراتيجي معها على حساب علاقاتها الأخرى.
وهنا تكمن خصوصية العلاقة بين البلدين. فبرازيليا قد تجد في التواصل مع طهران فرصة لتعزيز دورها الدولي وتوسيع علاقاتها مع دول الجنوب العالمي، لكنها في الوقت نفسه تدرك أن التعامل الاقتصادي مع إيران يتأثر بالعقوبات والقيود المالية الدولية، فضلًا عن انعكاساته المحتملة على علاقاتها بالولايات المتحدة وأوروبا.
ومن المتوقع أن يسعى لولا إلى إبقاء قنوات الحوار مع إيران مفتوحة، ودعم الحلول الدبلوماسية للقضايا الإقليمية والدولية. غير أن ذلك لا يعني بالضرورة حدوث توسع سريع في التجارة أو الاستثمارات. فالعلاقات السياسية قد تتحسن من دون أن تتمكن الشركات والمؤسسات الاقتصادية من تجاوز العقبات القانونية والمالية التي تواجهها.
كما أن انضمام إيران والبرازيل إلى مجموعة بريكس يتيح مساحة إضافية للتواصل والتنسيق، لكنه لا يعني تطابق مصالح البلدين أو اتفاقهما على جميع القضايا. فكل منهما يتحرك وفق حساباته الوطنية ومصالحه الاقتصادية والسياسية.
وعليه، فإن المسار الأكثر ترجيحًا يتمثل في استمرار الحوار السياسي مع إيران، مع توخي الحذر في توسيع التعاون الاقتصادي، خصوصًا في المجالات التي قد تثير خلافًا مع واشنطن أو تضع الشركات البرازيلية أمام مخاطر مالية وقانونية.
مستقبل العلاقات العربية والإيرانية في ظل الولاية الجديدة
من المرجح أن تواصل البرازيل في عهد لولا توسيع علاقاتها مع الدول العربية، مدفوعة بالمصالح التجارية والرغبة في تعزيز حضورها الدبلوماسي. وقد يظهر ذلك في تنشيط الزيارات الرسمية، وتوسيع التعاون الزراعي والاستثماري، والبحث عن فرص جديدة في قطاعات الطاقة والبنية التحتية والصناعة.
وفي ما يتعلق بالقضية الفلسطينية، يُتوقع أن يستمر لولا في دعم الحقوق الفلسطينية والدعوة إلى تسوية سياسية. وقد يسهم هذا الموقف في تعزيز التواصل مع عدد من الدول العربية، لكنه لا يعني أن البرازيل ستتبنى بالضرورة مواقف متطابقة مع جميع الحكومات العربية في الملفات الإقليمية.
أما العلاقات مع إيران، فستظل أكثر حساسية بسبب العقوبات والتوترات الإقليمية والعلاقة مع الولايات المتحدة. وقد يتيح استمرار التواصل السياسي فرصًا للتعاون في بعض المجالات، لكن تحويل هذا التقارب إلى شراكة اقتصادية واسعة سيظل مرهونًا بتطورات تتجاوز إرادة الحكومة البرازيلية وحدها.
وفي الحالتين، يبدو أن لولا سيحاول تجنب وضع بلاده في مواجهة مباشرة مع واشنطن. فالبرازيل تريد توسيع علاقاتها الدولية، لكنها لا تملك مصلحة في خسارة أسواق رئيسية أو تعريض اقتصادها لضغوط إضافية. ولهذا، من المرجح أن تقوم سياستها على تنويع الشراكات، مع تجنب الالتزام الكامل بمحور دولي واحد.
وتعكس هذه المقاربة رغبة البرازيل في التعامل مع النظام الدولي باعتباره مجالًا واسعًا للمناورة والتفاوض، لا ساحة تفرض عليها الاختيار الحاسم بين الولايات المتحدة من جهة، والصين أو إيران أو غيرهما من الدول من جهة أخرى.
تحديات الداخل وحدود الطموح الخارجي
على الرغم من أهمية السياسة الخارجية في مشروع لولا، فإن قدرته على تنفيذ رؤيته الدولية ستبقى مرتبطة إلى حد كبير بالأوضاع الداخلية. فالحكومة التي تواجه صعوبات في تمرير القوانين أو تعاني ضغوطًا مالية واقتصادية ستكون أقل قدرة على تنفيذ مشاريع خارجية واسعة أو تقديم حوافز كبيرة لشركائها.
ويضاف إلى ذلك استمرار الانقسام السياسي، وما يرافقه من خلافات بشأن الإنفاق العام والضرائب والأمن والسياسات الاجتماعية. وقد يضطر لولا إلى تقديم تنازلات للقوى الوسطية والمحافظة من أجل ضمان الاستقرار الحكومي، وهو ما قد يحد من قدرته على تنفيذ بعض وعوده.
وفي الوقت نفسه، فإن الدفاع عن استقلال القرار البرازيلي لا يعني الاستغناء عن الشركاء التقليديين، بل يتطلب إدارة العلاقات معهم بطريقة تحقق أكبر قدر من الفائدة للبلاد. وهذا ما يجعل التعامل مع واشنطن تحديًا مستمرًا، خصوصًا إذا تداخلت الخلافات السياسية مع المصالح التجارية.
أما الانفتاح على العالم العربي وإيران والصين ودول بريكس، فلن تكون قيمته الحقيقية في عدد الزيارات أو الاتفاقات المعلنة، بل في قدرته على توفير فرص اقتصادية، وجذب الاستثمارات، وتوسيع الأسواق، وتعزيز مكانة البرازيل الدولية.
خاتمة
تعكس عودة لولا دا سيلفا إلى الرئاسة استمرار الصراع السياسي بين اليسار واليمين في البرازيل، لكنها تكشف أيضًا عن رغبة شريحة من المجتمع في العودة إلى سياسات تضع التنمية الاجتماعية ودور الدولة والاستقلال الدبلوماسي في صلب أولوياتها. ومع ذلك، فإن نتيجة الانتخابات وحدها لا تكفي لضمان نجاح هذه السياسات، في ظل استمرار الانقسام الداخلي والتحديات الاقتصادية.
وعلى المستوى الخارجي، يبدو أن لولا سيواصل السعي إلى إقامة علاقات أكثر تنوعًا، مع الحفاظ على مساحة من الاستقلال عن الولايات المتحدة. ومن المرجح أن تبقى العلاقة مع واشنطن مزيجًا من التعاون والتنافس، تحكمه المصالح الاقتصادية من جهة، والخلافات السياسية والتجارية من جهة أخرى.
أما العلاقات مع العالم العربي، فمن المتوقع أن تستفيد من اهتمام البرازيل بتوسيع أسواقها وتعزيز حضورها الدبلوماسي، إلى جانب استمرار دعمها السياسي للحقوق الفلسطينية. وفي المقابل، قد تشهد العلاقات مع إيران استمرارًا في الحوار والتواصل، لكن توسيعها اقتصاديًا سيظل مرتبطًا بالعقوبات والظروف الدولية وحسابات المصالح البرازيلية.
في نهاية المطاف، لا يتوقف نجاح لولا على قدرته على استعادة سياسات الماضي فحسب، بل على مدى قدرته على التكيف مع عالم أكثر تنافسًا واضطرابًا. وإذا نجح في الجمع بين الاستقرار الداخلي وتنويع العلاقات الخارجية، فقد تتمكن البرازيل من تعزيز موقعها الدولي. أما إذا طغت الخلافات الداخلية والتوترات الخارجية على برنامجه، فقد تبقى طموحاته الدبلوماسية أكبر من قدرته على تحقيقها.