لنفترض، جدلًا، أن حزب الله هو الذي تسبّب في الحرب التي دمّرت الجنوب اللبناني، وأنه يتحمّل المسؤولية السياسية والعسكرية عن اندلاعها، وأن قراره خوض المواجهة كان السبب المباشر في سقوط آلاف القتلى والجرحى، وفي تهجير الأهالي وتدمير القرى والبيوت والمصالح.
ولنذهب أبعد من ذلك. لنفترض أن كل الانتقادات الموجّهة إلى الحزب في هذا السياق صحيحة، وأنه أخطأ في حساباته، وأساء تقدير الموقف، وعرّض الجنوبيين لما تعرّضوا له.
حسنًا، ماذا بعد؟
هل يعني ذلك أن رئيس الجمهورية يستطيع أن ينفض يده من الجنوبيين؟ وهل يصبح رئيس الحكومة غير معني بمتابعة أوضاع الناس الذين هُجّروا من بيوتهم، لمجرد أنهم يعيشون في بيئة سياسية تؤيد حزب الله؟ وهل يفقد النازح من الجنوب شيئًا من حقه كمواطن لبناني لأنه ينتمي إلى منطقة تُحسب على الحزب؟
وهل يصبح الطفل الذي فقد منزله مسؤولًا عن القرار العسكري الذي اتخذته قيادة الحزب؟ وهل يجوز أن تتحول هوية الناس السياسية أو الحزبية إلى مبرر لتخلّي الدولة عن مسؤوليتها تجاههم؟
بالطبع لا.
رئيس الجمهورية ليس رئيسًا لمؤيدي حزب الله وحدهم، ولا رئيس الحكومة مسؤول عن فئة من اللبنانيين دون أخرى. الدولة، قبل أي شيء، مسؤولة عن مواطنيها، وواجبها يصبح أكثر إلحاحًا عندما يتعرض هؤلاء للحرب والتهجير وفقدان المنازل ومصادر الرزق.
وإذا كان حزب الله قد أخطأ، فليتحمل مسؤولية خطئه. وإذا كان قد اتخذ قرارًا لم يكن من حقه اتخاذه، فليُناقش هذا القرار سياسيًا ووطنيًا. وإذا كان قد تسبب، وفق هذه الفرضية، في الحرب والدمار والتهجير، فليتحمل مسؤوليته كاملة.
لكن لماذا يجب أن يدفع الجنوبي ثمن ذلك مرتين؟
مرة عندما يخسر منزله وأرضه ومصدر رزقه، ومرة أخرى عندما يجد أن دولته وإعلام بلده وجزءًا من مجتمعه المدني قرروا إدارة ظهورهم له لأنه يعيش في منطقة تُصنّف سياسيًا على أنها بيئة حزب الله؟
هنا تصبح المسألة أخطر من مجرد خلاف سياسي مع الحزب. فنحن ننتقل من محاسبة جهة سياسية على قراراتها إلى تحميل الناس تبعات تلك القرارات، وكأن الانتماء إلى منطقة معينة يكفي لإسقاط حق المواطن في الدولة والتضامن والرعاية.
إذا كانت الدولة تختلف مع حزب الله، فهذا حقها. وإذا كانت وسائل الإعلام تعارض الحزب، فهذا حقها أيضًا. وإذا كان ناشطون سياسيون يرفضون سلاحه أو خياراته أو قراراته العسكرية، فهذا موقف مشروع.
لكن معارضة حزب الله شيء، والتخلّي عن الجنوبيين شيء آخر.
هل أصبح التضامن يحتاج إلى شهادة سياسية؟
ثمة سؤال لا بد من طرحه: هل أصبح مطلوبًا من الجنوبي، قبل أن يحصل على التضامن، أن يعلن أولًا أنه ضد حزب الله؟
هل على الناشط الذي يريد تنظيم حملة تضامن مع أهالي الجنوب أن يبدأ نشاطه بإدانة الحزب حتى يصبح من حقه أن يتحدث عن معاناة الناس؟
وهل ينبغي لجمعية تُعنى بحقوق الإنسان أن تتحقق أولًا من الانتماء السياسي للضحايا قبل أن تدافع عن حقوقهم؟
وهل يُطلب من جمعية تهتم بالمرأة والطفل أن تسأل الطفل النازح عن موقفه من حزب الله قبل أن تدافع عن حقه في الأمان والتعليم والغذاء والدواء والعودة إلى منزله؟
إذا وصلنا إلى هذه النقطة، فنحن لا نعاقب حزب الله، بل نعاقب الناس بسبب موقف سياسي يُنسب إلى حزب الله.
وهذا فرق كبير.
جمعيات حقوق الإنسان وُجدت للدفاع عن الإنسان، لا عن الأحزاب. والطفل الذي وُلد في بلدة تؤيد حزبًا سياسيًا لا يصبح أقل استحقاقًا للحماية. والمرأة التي فقدت منزلها أو اضطرت إلى النزوح لا تفقد حقها في أن يُسمع صوتها لأن محيطها السياسي يؤيد جهة لا نؤيدها.
وإلا فما معنى الحديث عن حقوق الإنسان إذا أصبح الدفاع عن الضحية مشروطًا أولًا بالاتفاق معها سياسيًا؟
وماذا عن الإعلام؟
الأمر نفسه ينطبق على الإعلام اللبناني.
إذا أقام ناشطون سياسيون أو اجتماعيون نشاطًا تضامنيًا مع الجنوبيين، فلماذا تتجاهله بعض وسائل الإعلام لمجرد أن منظميه أو المشاركين فيه لا يملكون الموقف السياسي الذي تتبناه هذه الوسيلة؟
الإعلام ليس مطالبًا بتأييد كل نشاط يغطيه. يستطيع أن يختلف مع منظميه، وأن ينتقد حزب الله، وأن يناقش مسؤوليته عن الحرب، وأن يطرح الأسئلة المتعلقة بسلاحه وقراراته وخياراته.
لكن التغطية الإعلامية ليست مبايعة سياسية.
إذا أقام مواطنون نشاطًا تضامنيًا مع مدنيين جنوبيين، فهذا النشاط خبر يستحق التغطية. ويمكن للوسيلة الإعلامية أن تنقله كما هو، وأن تضعه في سياقه، وأن تطرح إلى جانبه الأسئلة المتعلقة بالحرب ومسؤوليات أطرافها.
أما أن يصبح تجاهل معاناة الناس وسيلة لمعاقبة بيئة سياسية بأكملها، فهنا نكون قد ابتعدنا عن الصحافة ودخلنا في ممارسة سياسية تستخدم الإعلام أداة لها.
قوموا بواجباتكم… ثم ناقشوا حزب الله
الأمر لا يحتاج إلى كل هذا التعقيد.
ليس مطلوبًا من أحد أن يحب حزب الله حتى يتضامن مع الجنوبيين. وليس مطلوبًا من أحد أن يبرر قرارات الحزب حتى يزور النازحين. وليس مطلوبًا من أحد أن يؤيد سلاحه حتى يجمع التبرعات لعائلة فقدت منزلها.
ويمكن لأي جمعية حقوقية أن تدافع عن المدنيين من دون أن تتحول إلى جهة مؤيدة للحزب.
بل يمكنكم أن تكونوا أشد خصوم حزب الله سياسيًا، وأن تقولوا بوضوح إنه أخطأ، وإنه يتحمل مسؤولية الحرب، وإن قراراته ألحقت بالجنوب وباللبنانيين أضرارًا جسيمة.
قولوا كل ذلك.
لكن، في الوقت نفسه، قوموا بواجبكم تجاه الناس.
زوروا النازحين. اسألوا عن احتياجاتهم. ساعدوا من يحتاج إلى المساعدة. غطّوا المبادرات التضامنية. افتحوا صفحاتكم وبرامجكم ووسائلكم أمام أصوات الجنوبيين. دعوا الجمعيات تقوم بعملها، ودعوا الدولة تقوم بواجبها.
ثم ناقشوا حزب الله كما تشاؤون.
أما أن يصبح الخلاف مع الحزب سببًا لوقف التضامن مع الجنوبيين، فمعنى ذلك أننا نقلنا الخلاف السياسي من الحزب إلى الناس، ومن القيادة إلى المجتمع، ومن المسؤول إلى الضحية.
وهنا يتغير السؤال.
لم يعد السؤال فقط: من المسؤول عن الحرب؟
بل يصبح السؤال: لماذا نسمح لخلافنا مع المسؤول عن الحرب، أيًا يكن، بأن يجعلنا نتخلى عن الذين دفعوا ثمنها؟
الدولة مسؤولة عن مواطنيها حتى عندما تختلف معهم.
والصحافة مسؤولة عن نقل ما يحدث حتى عندما تختلف مع منظمي النشاط.
والمجتمع المدني مسؤول عن الإنسان حتى عندما لا يتفق مع خياراته السياسية.
فإذا كنتم تعتقدون أن حزب الله هو الذي تسبب في كارثة الجنوب، فحاسبوه على ذلك. انتقدوا قيادته. ناقشوا سلاحه. اسألوا عن قراراته. وحمّلوه مسؤولية أخطائه.
لكن لا تجعلوا الجنوبيين يدفعون ثمن هذه المسؤولية مرة ثانية.
قوموا بنشاطاتكم الإنسانية والوطنية والإعلامية والحقوقية، بغض النظر عن موقفكم من حزب الله.
فالتضامن مع إنسان منكوب ليس تضامنًا مع حزبه. والوقوف إلى جانب طفل مشرّد ليس تأييدًا لوالده. وزيارة نازح ليست مبايعة سياسية. وتغطية مبادرة تضامنية ليست تبنّيًا لأصحابها.
وإذا كنا نريد فعلًا دولة لكل اللبنانيين، فعلينا أن نتصرف على هذا الأساس: الجنوب جزء من هذه الدولة، والجنوبيون مواطنون فيها، لا جماعة تُعاقَب لأننا نختلف مع الجهة التي ننسب إليها مسؤولية ما جرى.
فحتى على فرض أن حزب الله هو الذي أشعل الحرب، لا أحد يملك الحق في أن يطفئ ضميره تجاه ضحاياها.