في اليوم الخامس والسبعين لمذكرة تفاهم إسلام آباد، وبعد أكثر من ستة أشهر للحرب الأميركية على إيران بجولتها الثانية، قررت واشنطن كسر المحظور والدخول إلى الميدان من بوابة جزيرة «لارك» الإيرانية.
إلا أن طهران ردّت بكسر قاعدة اللعبة كلها، من «الأزرق» إلى «العقبة»، بضربتين أسقطتا أوهام التفوق الأميركي ومكابرة ترامب، لتولد معادلة جديدة: من يضرب يُؤدَّب؛ عكس ما ظنّت واشنطن أن ضربة جوية على جزيرة «لارك» في هرمز تنهي قصة الألغام البحرية.
والذريعة دائمًا جاهزة عند الأميركي: استهداف راجمتي صواريخ للحرس الثوري. لكن النتيجة كانت شهداء ومدنيين، فالأميركي لم يدخل في حساباته واقعًا جديدًا، هو أن طهران لم تعد ترد في الساحة نفسها، ضمن استراتيجية متّبعة بإدارة الحرب التي لا يرغب الأميركي في الخروج منها، ويعمل ترامب على استغلالها تحقيقًا لأهداف انتخابية داخل أميركا.
إلا أن حسابات حقله لم تأتِ على بيدر الحرس الثوري الإيراني، الذي أعلن بعد ساعات أن القوة الجوفضائية نفّذت عملية «تأديب المعتدين»، ولم تستهدف سفينة أو قاعدة في الخليج كما توقّع الأميركي، وأن ذلك يوتر علاقة طهران بتحالف مكة، بل ذهبت طهران مباشرة إلى العمق: قاعدتي الملك حسين وموفّق السلطي في الأردن، حيث ترابط أهم المقاتلات الأميركية وطائرات المراقبة الاستراتيجية.
فما الذي حدث؟
انفجارات في العقبة وسيريك، إخلاء أجزاء من قواعد قطر قبل الضربة، واستنزاف عشرات صواريخ باتريوت أُطلقت في سماء ليلة واحدة بملايين الدولارات. فالرد الإيراني لم يكن ضربة، بل تكتيك إرهاق بصواريخ «شهاب-3» أُطلقت كرؤوس استنزاف لتفريغ مخازن الدفاع الجوي الأميركي قبل الجولة الكبرى.
وأول الردود الأميركية بلسان «فوكس نيوز»: «لا أضرار». إلا أن الميدان قال كلامًا مغايرًا: «المظلة الدفاعية الأميركية هشة ومكلفة»، ومعناه هزيمة ميدانية، وسؤال يطرح نفسه: من يحاصر من في هرمز؟
أمام حديث يومي لترامب تحوّل إلى لازمة لخطاباته: «سنفتح المضيق وننظف الألغام»، وعشرات السفن حوّلت مسارها، يقابله رد إيراني يتكامل بين سياسي وعسكري بصيغة واحدة واضحة: لن يُفتح المضيق إلا برفع الحصار، وإنهاء العقوبات، والإفراج عن الأموال، ووقف الحرب على لبنان.
وهذه النقطة تحديدًا جعلت من جبهة لبنان ضفة من ضفاف مضيق هرمز، بينما تتابع أميركا حرب عقوباتها، ويهدد نائب الرئيس الأميركي العالم بعقوبات مصرفية جديدة، ويهدد الشركات العالمية، ويقدّم مغريات لبكين.
إلا أن رد طهران كان واضحًا جدًا: إن إيران تملك بدائل تغطي الموازنة. وكل هذا يجري بالتوازي مع ما يجري في البحر الأحمر، بترسيخ مفهوم جديد: إن كلفة الحصار سيدفعها العالم كله، وليس إيران وحدها. وهذا يكرّس مبدأ وحدة معركة، وتعدد ساحات، وقرار ثابت لحزام نفوذ يمتد من جنوب آسيا وصولًا إلى البحر المتوسط، قلبه موقع «علي الطاهر»، مقبرة أوهام إسرائيل.
في جنوب لبنان، حيث تواصل إسرائيل محاولتها اليائسة باحتلال موقع «علي الطاهر»، وتتمسك بمرتفعاته الاستراتيجية، ودعم أميركي عربي، وتواطؤ السلطة التي تعمل لإخراج المقاومة بالسياسة، ربطًا باتفاق الإطار مع الاحتلال، يترجمها العدو غارات على قرى لها رمزيتها الدينية والاجتماعية، عمدًا لنسفها وإحراقها، أمام صفر تقدّم ميداني، وهذا كرّس معادلة: «علي الطاهر» أبعد من تلة، بل نقطة استنزاف يومي تأكل هيبة جيش العدو، وتسقط هيبة السلطة. بزمن انتهى زمن الردع وبدأ زمن التأديب، استراتيجية عسكرية كانت ليلة أمس نموذجًا عنها؛ اكتشفت فيها أميركا أن ضرب إيران في الجزر يعني ضربها في العواصم، وأن الدفاع الجوي يمكن إغراقه بأي لحظة، وأن الحصار الاقتصادي على طهران يقابله حصار على التجارة العالمية.
وفي السياسة، إسرائيل عالقة أمام تلة، كما أميركا بفاتورة الصواريخ، بينما إيران تثبت أن الرد صار فوريًا ومباشرًا، ودخلنا مرحلة تثبيت المعادلات بالنار. سقطت معها كل الخطوط الحمر بكلفة مرتفعة، ولم يتبقَّ أمام إدارة ترامب وحكومة نتنياهو إلا خياران: العودة للتفاوض ورفع الحصار والانسحاب من التلال، أو الانزلاق في حرب إقليمية مفتوحة تأكل ما تبقّى من مخازن وهيبة ردع أميركية.
فالرسالة وصلت بالنار: معادلة القوة بالنار، والعبث بالأمن مكلف.